ما قاله أعلام علماء المسلمين عن كروية الأرض و شكل الكون


بالرغم من أن "كروية الأرض" تعدُّ الآن من الحقائق العلمية البديهية التي لا يشكُّ فيها أحد من الناس على اختلاف الأعمار والثقافات... إلا أن هذه الحقيقة واجهت في العصور القديمة صعوبات بالغة حتى استقرت علميًّا في أذهان البشر ... و مع أن "كرويَّة الأرض" شأن علمي كوني إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا بكروية الأرض مستوحين ذلك من آي الذكر الحكيم:
       ينقل "ابن حزم" (ت:456هـ / 1064م) إجماع أئمة المسلمين على كروية الأرض في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) حيث يقول إنهم قد: "قالوا إن البراهين قد صحت بأن الأرض كروية، والعامة تقول غير ذلك.. وجوابنا وبالله تعالى التوفيق: إن أحدًا من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم رضي الله عنهم لم ينكروا تكوير الأرض، ولا يُحفظ لأحد منهم في دفعه كلمةٌ... بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها.. قال الله عز وجل: "يكوِّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل".. وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض، مأخوذ من: (كوَّر العمامة..) وهو إدارتها، وهذا نص على تكوير الأرض..."
       ويقول الإمام "فخر الدين الرازي" (ت: 606هـ / 1209م تقريبًا) في "مفاتيح الغيب" في تفسير قوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ..." يقول: "المدُّ هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، فقوله: "وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ" يُشعر بأنه – تعالى / جعل حجم الأرض حجمًا عظيمًا لا يقع البصر على منتهاه؛ لأن الأرض لو كانت أصغر حجما مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به... والكرة إذا كانت في غاية الكبر، كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح.."
       ابن تيمية، وهو تقي الدين أبو العباس النميري العامري الهوازني، ولقبُه «شيخ الإسلام» ولد يوم الاثنين 10 ربيع الأول 661هـ. أحد علماء الحنابلة نقل إجماع المسلمين على كروية الأرض :
يقول في كتابه الأسماء والصفات:” اعلم أنّهم قد اتفقوا على أن الأرض كرية الشكل“:
الأسماء والصفات لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/114)
ونقل الاجماع على استدارة الأفلاك وكروية الأرض أيضا في مجموع الفتاوى 6 / 587 فما بعدها:
سؤال عَنْ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا فِي " كَيْفِيَّةِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ " هَلْ هُمَا " جِسْمَانِ كُرِّيَّانِ " ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا كُرِّيَّانِ ; وَأَنْكَرَ الآخَرُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَقَالَ : لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ وَرَدَّهَا فَمَا الصَّوَابُ ؟
فَأَجَابَ :
السَّمَاوَاتُ مُسْتَدِيرَةٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ حَكَى إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ .
مِثْلُ : أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُنَادِي أَحَدِ الأَعْيَانِ الْكِبَارِ مِنْ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَد وَلَهُ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةِ مُصَنَّفٍ .
       وَحَكَى الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ وَأَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَرَوَى الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ بِالأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَذَكَرُوا ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَبَسَطُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ .
وَمَا عَلِمْت مَنْ قَالَ إنَّهَا غَيْرُ مُسْتَدِيرَةٍ / وَجَزَمَ بِذَلِكَ / إلا مَنْ لا يُؤْبَهُ لَهُ مِنْ الْجُهَّالِ .
وَمِنْ الأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى : "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ " .
وَقَالَ تَعَالَى : "لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ " .
       قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ : فِي فَلْكَةٍ مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ ، وَهَذَا صَرِيحٌ بِالاسْتِدَارَةِ وَالدَّوَرَانِ وَأَصْلُ ذَلِكَ : أَنَّ " الْفَلَكَ فِي اللُّغَةِ " هُوَ الشَّيْءُ الْمُسْتَدِيرُ يُقَالُ تَفَلَّكَ ثَدْيُ الْجَارِيَةِ إذَا اسْتَدَارَ وَيُقَالُ لِفَلْكَةِ الْمِغْزَلِ الْمُسْتَدِيرَةِ فَلْكَةٌ ; لاسْتِدَارَتِهَا .
فَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ " الْفَلَكَ " هُوَ الْمُسْتَدِيرُ وَالْمَعْرِفَةُ لِمَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ : مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ مِنْ السَّلَفِ وَمِنْ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا وَهِيَ لُغَةُ الْعَرَبِ .
وَقَالَ تَعَالَى :"يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ"

قَالُوا : وَ " التَّكْوِيرُ " التَّدْوِيرُ يُقَالُ : كَوَّرْت الْعِمَامَةَ وَكَوَّرْتهَا : إذَا دَوَّرْتهَا وَيُقَالُ : لِلْمُسْتَدِيرِ كَارَةٌ وَأَصْلُهُ " كورة " تَحَرَّكَتْ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا .
وَيُقَالُ أَيْضًا : " كُرَةٌ " وَأَصْلُهُ كُورَةٌ وَإِنَّمَا حُذِفَتْ عَيْنُ الْكَلِمَةِ كَمَا قِيلَ فِي ثُبَةٍ وَقُلَةٍ .
وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَسَائِرُ أَحْوَالِ الزَّمَانِ تَابِعَةٌ لِلْحَرَكَةِ ; فَإِنَّ الزَّمَانَ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ ; وَالْحَرَكَةُ قَائِمَةٌ بِالْجِسْمِ الْمُتَحَرِّكِ فَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ التَّابِعُ لِلْحَرَكَةِ التَّابِعَةِ لِلْجِسْمِ مَوْصُوفًا بِالاسْتِدَارَةِ كَانَ الْجِسْمُ أَوْلَى بِالِاسْتِدَارَةِ.
و َلا أَعْلَمُ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفِينَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ; إلا فِرْقَةٌ يَسِيرَةٌ مَنْ أَهْلِ الْجَدَلِ لَمَّا نَاظَرُوا الْمُنَجِّمِينَ فَأَفْسَدُوا عَلَيْهِمْ فَاسِدَ مَذْهَبِهِمْ فِي الأَحْوَالِ وَالتَّأْثِيرِ خَلَطُوا الْكَلامَ مَعَهُمْ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي الْحِسَابِ وَقَالُوا عَلَى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً أَوْ مُسَدَّسَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ; وَلَمْ يَنْفُوا أَنْ تَكُونَ مُسْتَدِيرَةً لَكِنْ جَوَّزُوا ضِدَّ ذَلِكَ .
نقل العديد من علماء المسلمين الإجماع على أن الأرض كروية، و أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة . قال : ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد ، بل على المشرق قبل المغرب
وقد استشكل على البعض قول الله تعالى (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)، فظن أن معناه أن الأرض مسطحة، بالرغم من أننا نرى به دليل على كرويتها، لأن الله تعالى ذكر هذه الآية في مقام الإعجاز فكأنه سبحانه وتعالى يقول: (بالرغم من أن الأرض كروية إلا أني جعلتها مسطحة في ما يراه ويحسه الذي يعيش عليها)، ولو كانت مسطحة لكان ذلك أمراً عادياً، كذلك فإن من استشكل عليه أمر التسطيح من التكوير لم يتأمل قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)، فهذا التكوير لا يمكن أن يكون لأرض مسطحة بل لأرض كروية، فهذا نص قرأني واضح في كروية الأرض
و في الحديث الشريف عن الكرسي و العرش: " يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة -أي صحراء- وفضل العرش على الكرسي  كفضل الفلاة على الحلقة"- صححه الألباني، و كأنه يتحدث عن أكوان مستديرة أحدها الكرسي يحتضنه العرش كما تحتضن الفلاة الحلقة.



علماء الجغرافيا المسلمين وكروية الأرض:
سنقف الآن أمام بعض التأكيدات الواضحة لدى طائفة من علماء الجغرافيا و الطبيعة المسلمين تجزم بكروية الأرض ... تلك الحقيقة العلمية التي لم يكتفوا بنفض ما علاها من أتربة الجهل والتعصب.. وإنما أيدوها بالمزيد من الأدلة والبراهين القاطعة التي يسَّرها الله لهم:
• يقول "ابن خرداذبة" (ت: 272هـ / 885م) في كتابه (المسالك والممالك): "إن الأرض مُدَوَّرَةٌ كدوران الكرة.. موضحة كالمحة في جوف البيضة" (والمحة هي: صفار البيض).
• وكتب "ابن رُستة" (ت: 290هـ / 903م) في كتابه (الأعلاق النفيسة): "إن الله جل وعز وضع الفلك مستديرًا كاستدارة الكرة أجوف دوَّارًا.. والأرض مستديرة أيضًا ومصمتة في جوف الفلك.
• وكتب "المسعودي" (ت: 346هـ / 956م) في كتابه (التنبيه والإشراف): "جعل الله عز وجل الفلك الأعلى وهو فلك الاستواء وما يشمل عليه من طبائع التدوير، فأولها كرة الأرض يحيط بها فلك القمر ..."
• وقد ذكر "الشريف الإدريسي" (ت: 560هـ / 1166م) في كتابه (نزهة المشتاق) ما نصه: "..وإن الأرض مدورة كتدوير الكرة، والماء لاصق بها، وراكد عليها ركودًا طبيعيًّا لا يفارقها، والأرض والماء مستقرَّان في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة.. ووضعهما وضع متوسط، والنسيم يحيط بها (يقصد الغلاف الجوي) من جميع جهاتها..." ويُذكَر أن الإدريسيَّ لما أراد صُنع نموذج للأرض كان على شكل كرة مجسمة ...
• ويقول "القزويني" (ت: 682هـ / 1283م) في كتابه (عجائب المخلوقات): "الأرض كرة.. والدليل على ذلك أن خسوف القمر إذا كان يُرى من بلدان مختلفة فإنه لا يُرى فيها كلها في وقت واحد بل في أوقات متعاقبة لأن طلوع القمر وغروبه يكونان في أوقات مختلفة في الأماكن المختلفة. والأرض واقفة في وسط الأفلاك كلها بإذن الله تعالى..". ثم يفنِّد القزويني آراء علماء القرون الوسطى في أوروبا ورجال الكنيسة الذين يقولون: إن الأرض لو كانت كرة لسقط الناس في الجانب الآخر منها، أو كانت رءوسهم مقلوبة.. فيقول: "إن الإنسان في أي موضع يقف على سطح الأرض فرأسه أبدًا مما يلي السماء، ورجله أبدًا مما يلي الأرض، وهو يرى من السماء نصفها.. وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من جانب السماء الذي أمامه بقدر ما كان قد خفي عنه من الجانب الآخر ..."

• وقد كلف الخليفة العباسي (المأمون)، موسى بن شاكر الذي برز هو وأولاده الثلاثة محمد وأحمد وحسن في الرياضيات و الميكانيك (علم الحيل)، بقياس محيط الأرض، وبعد الحساب الطويل والدقيق، توصلت البعثة التي قامت بالقياس إلى أن المحيط يساوي 47356 كيلو متر، وهذه النتيجة قريبة من الحقيقة إذ أن القياس الأخير لهذا المحيط من خلال الأقمار الصناعية يساوي 40000 كيلو متر تقريباً، ويعزى لبني موسى بن شاكر القول بالجاذبية بين الأجرام السماوية التي قال بها (إسحاق نيوتن) بعدهم بمئات السنين.

تعليقات

  1. لقد استطاع العلم عبر القرون أن يدحض ما تتّصف به البشريّة من أنانيّة ساذجة دحضا خطيرا في مناسبتين. أمّا أولاهما فقد حصلت حين برهن العلم على أنّ الأرض ليست مركز الكون، وأنّها بعكس ذلك ليست إلا جزءا ضئيلا من النّظام الكوني الّذي نكاد لا نستطيع أن نتمثّل عظمته. هذه البرهنة و إن اتصلت لدى الغرب باسم “كوبرنيك”، فقد أشار إليها القرآن الكريم قبل ذلك بما لا يدع مجالا للشك كما هو واضح أعلاه.
    وأمّا المناسبة الثانية الّتي كذب فيها العلم البشريّة فقد تمت بفضل البحث البيولوجيّ، الذي بين أن الإنسان سليل تطور مر بسلالة طويلة من الأحياء، يقول تعالى: " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ" (المؤمنون-12)، و أنه يقف على رأس هرم التطور الأحيائي:"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ "(التين-4) وأنّ طبيعته الحيوانيّة لا يمكن صقلها إلا باتباع أوامر الله تعالى و نواهيه. لقد حصلت هذه الثّورة الثانية نتيجة للبحوث الّتي قام بها “ش . داروين” و” والراس” وأسلافهما، وهي بحوث تصدّى لها الكثيرون من اتباع الأديان وقاوموها بكلّ ضراوة غافلين عن الإشارات التي جاءت في القرآن الكريم إلى النشأة الأولى للإنسان.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معجزة الشمس

أمثولة الكهف؛ قصة الحقيقة و الوهم