أوروبا تستفيق من ظلمة العصور الوسطى

 

في الوقت الذي أعلن فيه التاريخ طي صفحة ذهبية من صفحاته ازدهرت فيها الحضارة العربية الإسلامية وأينعت فكرا و علما وادبا عمّ العالم القديم من شرقه إلى غربه، فقد تمخضت القرون الوسطى عن منعطف هام في منهج المعرفة و طريقة التفكير على يد (فرانسيس بيكون1561ـ 1626م) الفيلسوف ورجل الدولة الإنجليزي الذي كان من المؤيدين الأوائل الأساسييّن والأكثر نفوذًا للمذهب التجريبي ولاستعمال الطرق العلمية التي تقوم على الاختبار الصارم والملاحظة الدقيقة والاستقراء، متأثرا بما دعا إليه رواد الحضارة الإسلامية، والحقيقة أن هذه الطريقة ليست بجديدة على مناهج المعرفة، فقد اتبعها كل من سقراط و (أرسطو) قبل ذلك بكثير، وللحق فإن فرنسيس بيكون لم يدِّعِ ذلك لنفسه، بل نظَّم المنهج العلمي ووضع له خطوطا وأسسا ومراحل أضفت عليه ألقاً وإحكاماً.

كان بيكون يعتقد بأن جميع الادعاءات المعرفية وخصوصًا تلك المتعلقة بعلوم العصور الوسطى هي ادعاءات باطلة، مشيرًا إلى أن عقول الناس تطرح تعميمات متسرعة مما يعيق الوصول إلى المعرفة، واعتقد بأن معظم هذه التعميمات قائم على اختبارات غير كافية لظواهر الطبيعة، ومع ذلك، يمكن للعقل اكتشاف الحقيقة، ومن خلال هذا الاكتشاف يستطيع الإنسان أن يبسط سلطانه على الطبيعة ويسخرها لخدمته، ولتحقيق ذلك نادى بيكون بتطهير العقل البشري من أربعة أنواع من التحيز (أو الأهواء)، أطلق عليها اسم المعبودات أو الأصنام:

الأول: هو ميل الناس إلى الثقة بإدراكهم الحسي وعقائدهم الموروثة على أنها الحقيقة الوحيدة والتحصن خلفها أمام كل نقد أو تجريح، فقد رأى بيكون أن أي إدراك بشري غير قابل للثقة إذا لم يثبت أمام النقد.

 الثاني: ميل الناس للحكم على الأمور من خلال ثقافتهم وتجربتهم وذوقهم، علما بأن هذه العوامل ظرفية شرطية تتعلق بالزمان والمكان وبالتالي فهي قابلة للتغيير، ولا يمكن الاعتماد عليها لبناء أساس ثابت للمعرفة.                   

الثالث: ناتج عن طريقة الاتصال والتواصل بين البشر، فغالبا ما يحدث التباس وتشويش من خلال انتقال المعلومة بين الناس نتيجة استخدام كلمات لا تؤدي إلى الدقة المطلوبة في المعنى، أو نتيجة تحوير الكلام وتزييفه بدافع من الأهواء الشخصية.

التحيز الرابع والأخير: تأثير الأسطورة والخرافة التي لم تكن سوى من نسج الخيال ولم يكن لها قيمة عقلية أو منطقية على عقول الناس وطريقة تفكيرهم.

يقوم منهج بيكون على الدراسة التفصيلية لظواهر الطبيعة واستخلاص النتائج والنظريات التي تحكمها ومن ثم تعميم هذه النتائج على الكون للوصول إلى علته الأولى، وهو يلتقي في منهجه هذا مع ابن رشد الذي يذهب إلى معرفة الله عن طريق (آياته) في مخلوقاته وفي التصميم الذكي للعالم، كما يتلاقى مع ابن مسكوية وابن الطفيل في أن الوصول إلى الله يكون عن طريق العقل بالنظر الفلسفي الخالص، وفي ذلك يقول كلمته المشهورة: "إذا كان القليل من الفلسفة يبعد عن الله، فالكثير منها يردُّ إلى الله" 

لقد جسد (فرنسيس بيكون) فلسفته ورؤاه في مدينة فاضلة جاء على ذكرها في كتابه (أطلنطا الجديدة)، وهي رواية خيالية تعالج بطريقة مشوقة مبدأ الكاتب في ضرورة تحويل المعرفة إلى نفع وقوة تستخدم في خدمة الإنسان. أما اسم(أطلنطا) فقد ذكره أفلاطون في حديثه عن أسطورة القارة الغارقة في البحار الغربية البعيدة، أما بيكون، فيرى أن القارة العظيمة لم تغرق، لكن الذي غرق هو شجاعة الناس في خوض البحار.  بإيجاز شديد، فإن (أطلنطا) هي حلم بيكون في مجتمع إنساني فاضل جديد، فما هو الأثر الذي خلفته أفكاره هذه؟؟ هل عبرت الإنسانية البحار بشجاعة إلى (أطلنطا)؟

لقد خلقت أفكار (بيكون) هذه تغييرات هامة لدى معاصريه، عندما بينت أنّ للإنسانية هدفاً أسمى وأهم من اللهاث وراء الجدل العقيم، وأن على الإنسان تسخير العلم للسيطرة على الطبيعة والاستفادة من ثرواتها في رفع مستواه المعيشي وزيادة رفاهيته، فأينعت بذور الأمل مبشرة بمستقبل إنساني واعد، عندما ظهر جيل من المثقفين عام (1700م) يختلف تماماً عن سلفه في عام (1600م) من خلال نظرته إلى الكون والإنسان. فبينما كانت المذنّبات مثلا تعدّ نذير شؤم، أصبحت تعرّف بأنها كتلٌ ماديّة هشة تتبع قانون الجاذبية العام في دورانها حول الشمس. وفي الطب جاء (توماس سيدنهام) بمقدمته عن الطب السريري عام (1666 م)، وطوّر (كريستيان هويجنز) النظرية الموجية للضوء عام (1678م)، كما ألحق نيوتن نظريته عن الجاذبية العامة بحساب التفاضل في عام (1693م) وظهرت نظرية حفظ المادة (للافوازييه)، كما وضعت تقنيات التلقيح ضد الجدري موضع التطبيق العملي في المائة الثامنة عشر للميلاد.

لكن هذا التقدم المادي المتسارع افتقر إلى الخطة والهدف النبيل ودفع الغرب لخوض حروب استعمارية تعددت صورها وأشكالها للسيطرة على موارد الثروة في العالم لتسخيرها في رفاهيته، ونفثت المصانع والسيارات ومنجزات الحضارة المنفلتة من الضوابط البيئية سمومها في الأرض والبحر والجو ليعمها الفساد والفوضى، وأصبح كوكب الأرض مهددا بالفناء.

لقد أدى طغيان الفكر المادي إلى حضارة مشوهة عرجاء تسير على قدم مادية واحدة فقط وتنقصها الروح والغاية والهدف، فكانت الفلسفة العقلية التي تعتبر المعرفة الرياضية نموذجا لكل معرفة، وخير مثال على هذه الفلسفة ما قام به (ديكارت) من بناء لفلسفته العقلية على أسس رياضية، لاعتقاده بأن الرياضيات تنطوي على قدرة تقديم استدلالات صحيحة لا توجد في غيرها، وهي توصل من يمرن ذهنه فيها لأن يكون أهلا للبحث عن الحقائق الأخرى فمنهج الفكر واحد في جميع الأمور كما يقول.

يصف (ول ديورانت) فلسفة ديكارت كما يلي:

"إن الفكرة المركزية في (ديكارت) هي أسبقية الوعي وان العقل يعرف نفسه بسرعة مباشرة أكثر من مقدرته على معرفة أي شيء أخر، وانه يعرف العالم الخارجي فقط عن طريق أثر ذلك العالم على العقل من خلال الإدراك الحسي، وبناء عليه يجب أن تبدأ كل الفلسفة بعقل الفرد وذاته وتبدأ نقاشها الأول في كلمات ثلاث: "أنا أفكر فأنا موجود" وهو المبدأ المعروف باسم (الكوجيتو)".

لقد اتخذ ديكارت من المبادئ العليا والحقائق الميتافيزيقية فيما وراء الطبيعة أساسا لبناء فلسفته العقلية خلافا لمن سبقه من الفلاسفة اللاهوتيين والتجريبيين، وشك في كل ما يحيط به، شكا منهجيا ومؤقتا ومبالغا فيه لأنه حكم على كل ما هو مشكوك فيه كما لو كان باطلا ... بيد أن الحقيقة الثابتة التي لا تقبل الشك بالنسبة له هي الوعي.

يقول ديكارت: "مهما شككت في حواسي وعقلي وشككت في وجود العالم، فهناك حقيقة واحدة لا يمكنني الشك فيها، لأنها تزداد يقينا كلما ازددت شكا وهذه الحقيقة هي (أني أشك)؛ وهذا يعني أني أفكر لأن الشك تفكير والتفكير لا يكون إلا من ذات مفكرة؛ وهذه الذات المفكرة هي (أنا)، وحتى لو حاولت أن أشك في أني أفكر، فهذا الشك نفسه دليل على أني أفكر".

يميز ديكارت بين أقسام ثلاثة من الأفكار:

أفكار مباشرة تتكون لدينا بدون إعمال الذهن، فإشراق الشمس مثلا يعني الصباح، وأفكار صنعيه أو مركبة من أفكار عدة، فنحن ندرك أن الجسم يصغر حجمه كلما ابتعدنا عنه، فالشمس مثلا نجم أكبر من الأرض وإن كان يبدو للرائي صغيرا، وأفكار فطرية مترسمة في عقولنا، مثل أن الشيء لا يمكن أن يكون هو وليس هو في آن واحد؛ فأنت لا يمكن أن تكون زيدا ولست زيدا في الوقت نفسه.  يحذر ديكارت من القسمين الأولين إذ يمكن أن تتسرب إليهما أغلاط الحواس وأوهامها، وأما الأفكار الفطرية فلا يمكن أن يتطرق إليها الشك والخطأ مادام العقل سليما، فهي جزء أساسي في تكوين عقولنا ومنها نقتبس الأحكام اليقينية كلها، ونستدل على وجود الله، يقول ديكارت: "أنا موجود فمن أوجدني ومن خلقني؟ بالتأكيد أنا لم أخلق نفسي؛ فلا بد لي من خالق (واجب الوجود)، وهذا الخالق هو الله خالق كل شيء". ثم ينتقل بحكمة إلى العالم ويجعل من حقيقة وجود العالم نفسه دليلا على أن العالم حق، تماما كما فعل الشيخ الرئيس (ابن سينا) قبله بأربعة عصور.

من أشهر أتباع المدرسة الديكارتية كل من: (باسكال ومالبرانش)، يقول باسكال: "إن الحواس تخدع والعقل يخطئ، ولكن بالقلب وحده نعرف الحق فبالقلب نعرف المبادئ الأولى ومعنى الزمان والمكان والحركة"، ولعل ما يعنيه باسكال هنا بالقلب هو تلك الأفكار الفطرية المرتسمة في عقولنا والتي صنفها أستاذه ديكارت تحت القسم الثالث من الأفكار.

يتلاقى باسكال في أفكاره مع الفارابي وابن سينا في اعتقاده أن معرفة الله هي من الإدراك الفطري الذي لا يحتاج لبرهان عقلي ويلقي حكمته البالغة بقوله: "هناك صنفان من الناس يمكن أن نسميهما عقلاء: وهم الذين يخدمون الله جاهدين لأنهم يعرفونه، والذين يجدون في البحث عنه لأنهم لا يعرفونه".

أما (مالبرانش) فكان أقرب إلى التصوف منه إلى الفلسفة في طريقة إيمانه التي اعتمدت على (الإلهام) دون غيره وهو الذي وضع نظرية (الرؤية بالله)، ويعني بذلك أننا لا ندرك العالم الخارجي بذاته بل ندركه بمشيئة الله الذي أراد ذلك.

لقد انتهى الأمر ب (مالبرانش) إلى سلبية محضة تلغي دور الإنسان في العالم، إذ يقول: "إن الفعل لله وحده، فلا الأرواح تعمل ولا الأجسام تعمل ... فالله يخلق الميول والرغبات في الأرواح، وهو يحرك الأجسام وفق ميول الأرواح"، وبالملخص فما يعنيه (مالبرانش) هوان الله خلقنا وخلق أفعالنا وهذا منتهى الغلو في الجبر، الذي ينفي كل مسؤولية عن أفعال الإنسان، ويتركه ريشة في مهب رياح التغيير.

يقودنا الحديث عن جبرية (مالبرانش) إلى معاصره (باروخ سبينوزا: 1632- 1677 م) الذي يقول عنه المؤرخ والكاتب الفرنسي أرنست رينان: " ... قد تكون أصدق بصيرة جاءت عن الله منه"

يقول سبينوزا: "ترفع عامة الشعب أولئك الكهنة الذين يوهموهم بقدرتهم على تفسير أسباب الطبيعة وتصرفات الله، وهؤلاء الكهنة بدورهم يتربصون بأهل الفكر الدوائر فهم يعلمون أن إظهار الحقيقة وتبديد الجهالة سيؤدي إلى إزالة الغشاوة عن قلوب الناس وعقولهم لأن الجهل هو وسيلتهم الوحيدة للاحتفاظ بسلطتهم ونفوذهم على الغوغاء والعامة".

لقد دفع سبينوزا ثمن أفكاره باهظا، فقد أدت أفكاره هذه إلى إنزال اللعنة عليه من قبل الكنيس اليهودي الذي كان ينتمي إليه وإلى حرمانه وفصله وتحريم التعامل معه من قبل الشعب اليهودي، ولعل هذه مفخرة يسجلها التاريخ له.

نجد في فلسفة (سبينوزا) ثلاث كلمات محورية وهي: جوهر ويعني بها حقيقة العالم الأساسية الثابتة أو الله، وقانون ويقصد بذلك القوانين الطبيعية التي تحكم العالم، و صفة وهي مظهر من مظاهر الجوهر، كالفكر أو العقل أو الوعي أو الأحداث والأعراض الطارئة والمفاهيم الأخرى  ... ، ففي الكون قوة خالقة يسميها سبينوزا الجوهر أو "الله" و فيه أشياء مخلوقة وهي الأعراض أو العالم تربط بينهما الصفة التي هي القوانين التي تنظم العالم، وهو يشبّه الكون بجسر؛ تصميمه هو كلمة الله، وتماسكه و دوامه يقوم على القوانين الرياضية والميكانيكية التي بني على أساسها بإرادة الله، فقوانين الطبيعة الخالدة هي إرادة الله وبالتالي فإن جميع الأحداث التي تقع في العالم ما هي إلا نتيجة مباشرة لإرادة الله، لكن الله وفقا لسبينوزا ليس حاكما ذكراً على صورة إنسان يجلس على عرش وراء النجوم كما يعتقد العامة، إنه ليس كمثله شيء، ولكي نكون مؤهلين لمعرفة الله يجب أن نكون آلهة نحن أنفسنا؛ فالله هو الوعي والإدراك المنتشر في أرجاء الزمان والمكان والذي يعطي الوجود معناه الأبدي.

يعتقد سبينوزا أن العالم جبري يتحرك بلا غاية ولا هدف، إنه عالم مجبر على السير بطريقة لا فكاك منها ولا محيص، ولأننا بشر فإننا ننسب حوادث العالم إلى الإنسان، و كأن الإنسان هو محور الكون وان الكون بجميع ما يجري فيه قد سخر من أجله، أو ليستقطب اهتمامه، فالبراكين والزلازل مثلا نزر شؤم وانتقام، والأمطار وازهار الربيع بشائر خير وبركة،  لكن هذا كله وهم كالأوهام الكثيرة في حياتنا، إن معظم أخطاء الفلسفة وقعت من خلال ربط غاياتنا واهوائنا مع ما يجري حولنا من أحداث، ومن هنا نشأت مسألة الشر، إننا نسعى للتوفيق بين شرور الحياة و خير الله ناسين الدرس الذي علمه الله لأيوب في أن الله فوق خيرنا وشرنا، وان الخير والشر نسبيان و في الغالب يعودان إلى رغبات البشر وغاياتهم، ثم إن الشيء قد يكون خيرا و شرا في آن واحد كالموسيقى التي قد تكون خيرا للشخص المنقبض النفس فتسرّي عنه وترفع معنوياته و شرا للحزين الذي فقد عزيزا عليه. إننا نجهل نظام الطبيعة وتكاملها فالبرق قد يصيب منزلا ويحرقه فيصبح كارثة على صاحب البيت، لكنه يؤدي دوره الطبيعي في الوقت نفسه بتوحيد الأكسجين والنتروجين وإنتاج السماد الآزوتي الذي يخصب التربة.

كذلك فإن القبح والجمال أمران اعتباريان نسبيان في فلسفة سبينوزا الذي يقول: "إني لا أعزو إلى الطبيعة جمالا أو قبحا ولا نظاما أو اضطرابا والأشياء توصف بالجمال والقبح بالنسبة لمداركنا وتصوراتنا ... فإذا كانت باعثة للصحة مثلا تسمى جميلة وإلا فقبيحة" وبهذا يتجاوز سبينوزا أفلاطون الذي اعتقد أن آراءه في الفن والجمال يجب أن تكون مطلقة ترتبط بالمثل وبأحكام الله الأبدية، واقترب من أفكار الفيلسوف والشاعر العربي أبي العلاء المعري الذي يقول في مطلع أحد دواوينه:

غَيْرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعْتِقادي

نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ

وشَبِيهٌ صَوْتُ النّعيّ إذا قِيسَ

 بِصَوْتِ البَشيرِ في كلّ نادِ

أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنْنَت

 عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ

 

هذا هو فحوى الفلسفة العقلية التي بدأها ديكارت والتي تؤمن بأن العقل والتفكير هما أساس الوجود، هذه العقلانية امتدت إلى سبينوزا الذي شيد بنيانا عظيما من المنطق بتفسيره العالم استنادا إلى البديهيات الفطرية التي اعتبرها ديكارت من أكثر مرتكزات العقل والتفكير موثوقية.

لقد تمخض الإيمان بالتجربة الذي دعا إليه بيكون عن الإلحاد والنزعة المادية، كما أخذ الإيمان بالأسطورة يتحطم مسجلا انتصار العقل منذ أيام سبينوزا ... وعمّت الفلسفة العقلية أوربا كلها آنذاك، وكانت أقوى تأثيرا وأكثرا انتشارا في فرنسا حيث كثر الاعتداد بنماذج التفكير العقلي واعطِي القيمة المطلقة واتُّخذت منه أداة صالحة لإدراك حقائق الوجود ومعيارا كافيا لوضع قواعد السلوك، وقد أدى كل ذلك إلى انتشار موجه حادة وجارفة من الإلحاد والتنكر لمختلف العقائد الدينية.

برز هذا الاتجاه على يد فولتير (1694-1778)، المفكر الفرنسي، الذي تصدى لأباطيل الكنيسة وترهاتها القائمة على التفسير الأسطوري للطبيعة، منتقدا رجال الدين والنبلاء، ساخرا من الفلاسفة اللاهوتيين، وذلك بلغة بسيطة وبمزيج من روائع التهكـم اللطيف والنقد المعتدل. لقد جاءت آراؤه هــذه في كتابه: (رسائل فلسفية)، الذي ما لبثت السلطات الفرنسية أن تعرضت له بالحجب والحرق معتبرة أنه مخالف للدين ومحرض على الإلحاد ومقوض للنظام الاجتماعي. وقد كتبه فولتير إبَّانَ إِقامتِهِ في مَهْجَرِهِ بإِنْجِلترا، مَدْفوعًا بمُلاحَظتِهِ للبَوْنِ الشاسِعِ بَيْنَ المجتمعين الإنكليزي والفرنسي على أكثر من صعيد.

و ظل الأمر كذلك ،إلى أن جاء الفيلسوف الألماني (إيمانويل كنط: 1724-1804) وأخضع العقل نفسه للنقد والتمحيص: "فلماذا لا نخضع هذا العقل بالذات للنقد والتمحيص لنتبين حدود استعمالاته المشروعة من حدوده غير المشروعة فهذا أضمن لبلوغ معرفة يقينية أكثر دقة وصرامة"، وإن هذه الفكرة على الرغم من بساطتها إلا أنها تحمل في دلالاتها معرفة موجزة لفلسفة حديثة هي "الفلسفة النقدية"، التي تجسد طموح العلم المشروع بأن يحقق أقصى النتائج الواعية الممكنة اعتمادا على الحواس والتجارب في منأى عن حضور موجهات الفكر القديم من جهة واحساس العقلانيين المتأصل تاريخيا في أن ذلك قد يفضى إلى العبث والفوضى من جهة أخرى.

ومع أن من سبق (كنط) من الفلاسفة العقلانيين والتجريبيين أمثال: (فرنسيس بيكون، لوك، هيوم، بركلي) ... كانوا قد مهدوا الطريق لاختبار العقل ووضعه على محك النقد الموضوعي بعيدا عن هيمنة الكنيسة ... فإنهم لم يتوصلوا إلى نتائج ذات صيت شائع كما حصل ل (كنط) بأسلوبه النقدي الصارم الذي تجلى في كتابه: (نقد العقل الخالص) واستطاع أن يغزو عقول المفكرين في أوربا. فأمام تضارب التيارين العقلي والتجريبي وأمام تراكم المعارف وتباين نماذج التفكير المعرفي ورفض النماذج الأخلاقية التقليدية، ظهر (كنط) ناقدا من جهة، وساعيا لتركيب عقلانية جديدة تقوم على المصالحة بين التيارات الفلسفية المتعادية من جهة أخرى، فأحدث بذلك ثورة فلسفية لخصت الخصائص العامة لعصر التنوير وكما قام (كوبرنيكوس) بتغيير مفهوم العالم عن موقع الأرض بالنسبة للكون، فقد قابل (كنط) بين الإنسان والعالم الخارجي وانتهى إلى أن الإنسان هو محور العالم، وأن العقل هو الأساس في جميع معارفنا. لقد أعاد (كنط) الاعتبار للعقل من جهة، الذي كان مغيبا عند الفلاسفة التجريبيين الذين اعتبروا أن إدراك الحقيقية يكون بواسطة التجربة والملاحظة وحسب، أي خارج العقل ، وقال باستحالة اللجوء إلى الواقع الخارجي للبرهنة على وجود العقل وإن كان في هذا العمل رفضٌ لتوجه الفلاسفة العقلانيين الذين غالوا في تمجيد العقل من جهة أخرى، بل إن (كنط) قد حاول إعادة التوازن بين العقل والتجربة، محدثا بذلك نقطة تحول هامة في تاريخ الفكر الإنساني، ناقدا أو مؤيدا لما تضمنته فلسفة سابقيه من آراء وأفكار، ومؤسسا لما أطلق عليه اسم "الفلسفة النقدية": يقول كنط في كتابه "نقد العقل الخالص": من المحال على الإنسان أن يتأكد أن النظام في الطبيعة له علاقة بالواقع، فهذا النظام لا يزيد عن كونه علاقات خلقناها من خلال عقولنا وهي تفصح عن حقائق نفسية أكثر من أن تفصح عن حقائق كونية، فالعقل حين يتلقى معلومات عن العالم المادي الذي يقع خارجه عن طريق الحواس يعيد تنظيم هذه المعلومات وفقا لهياكله الداخلية حتى يدرك معناها، ولا وجود لشيء أسمه الحقيقة المطلقة، بل إن جميع أفكارنا ذاتية وقائمة على التفسير. وبذلك يكون كنط قد قطع العلاقة التي تربط الإنسان بالعالم الخارجي وحبسه داخل جمجمته. فإذا لم تكن هناك حقيقة مطلقة، فماذا عن الإيمان بالله وهو يقع خارج نطاق الحواس، بل وخارج ما يمكن أن يحيط به العقل البشري؟ ولكن وبنفس المنطق فهناك استحالة في إثبات عدم وجود الله.

يبدأ (كنط) بنقد المعرفة القائمة على التجربة فقط باعتبارها لا تقدم لنا حقائق عامة بل تثير عقلنا الشغوف إلى المعرفة وحسب: فنحن نعرف بفعل التجربة أن الشمس ستأتي من الشرق كل يوم لكننا لا نمانع منطقيا أن نراها يوما وقد أتت من الغرب، في الوقت نفسه لا يمكن أن نصدق أبدا أن مجموع العدد اثنان ثلاث مرات لن يساوي الستة، أوان الطريق المستقيم هو أقصر الطرق بين نقطتين، مثل هذه الحقائق مطلقة ولم نحصل عليها من التجربة فيجب أن تكون مستمدة من تركيب عقلنا الفطري بكل تأكيد، فعقلنا إذا ليس لوحا جامدا ترتسم عليه الأحاسيس، إنه عضو نشيط يسبك وينسق الإحساسات إلى أفكار منظمة ومرتبة، إنه كالجزء الصلب من الحاسوب مصنوع مبدئيا لاستقبال البرامج وترتيبها وعرض المفاهيم والعلاقات القائمة بينها.

إن التركيب الفطري للعقل أو قوانينه الفطرية هو ما يسميه (كنط) بالمعرفة السامية لأنها تسمو على التجربة الحسية وتفوقها.

تمر الفكرة النهائية بمرحلتين قبل اكتمالها وتمامها: الأولى تتمثل في تجميع المعرفة الحسية وتأطيرها ضمن قالبي الزمان والمكان، والثانية هي تنسيق هذه المدركات الحسية وإضفاء الرأي عليها.

يتبع من ذلك أن كل محاولة يبذلها العلم أو الدين لتعريف الحقيقة النهائية لا تعدو مجرد محاولة نظرية للمعرفة لأن العقل لا يستطيع تجاوز الظواهر الحسية التي بدأ منها في إطلاق التعميم والأفكار، وستؤدي مثل هذه المحاولة بالعلم إلى مناقضة نفسه، وبالدين إلى المغالطة: إنها محاولة للفرار من دائرة الحس والظواهر للدخول إلى عالم الأشياء في ذاتها وهو عالم مجهول. إذن فمن الأفضل التخلي عن اللاهوت النظري بالابتعاد بالدين عن حكم العقل وسيادته وإقامة الدين على أسس الأخلاق المطلقة وألا تكون هذه الأخلاق مستمدة من التجربة أو الاستنتاج المزعزع، وألا يفسدها العقل المعرض للزلل والخطأ، يجب أن تنبع الأخلاق من باطن النفس بإدراك وبصيرة مباشرة، وأن تكون مطلقة مسلما بها كمبادئ الرياضيات.

إننا نشعر في أعماقنا بأفضلية التقوى والفضيلة وعمل الخير بالرغم من تعارضه أحيانا مع مصالحنا الشخصية، فكيف يمكن لهذا الشعور أن يعيش إن لم نكن نشعر بطريقة غامضة أن هناك حياة أخرى سيميز فيها الخبيث من الطيب وسيجزى كل بعمله.

إن هذا الوجدان والشعور الفطري ينهض دليلا على وجود الله لأنه يبرر التسليم بالخلود وما يتبعه من فرض وجود علة متكافئة مع معلولها. إن عقولنا تجيز لنا الإيمان بذلك وشعورنا الأخلاقي يأمرنا بالاعتقاد به.

إن شعور القلب فوق منطق العقل وكما يقول باسكال: "إن للقلب أسبابا خاصة به لا يمكن للعقل أن يفهمها" 

لقد كشف (كنط) عن الأسس الواهية التي يقوم عليها اللاهوت الشعبي محاولا أن يدعمه بطريقة أكثر نبلا فاتجه إلى اللاهوت السامي يستمد منه بعض الدعائم الواهية عسى أن يظل البناء قائما، لكن وبالرغم من ذلك فإن محاولة (كنط) لتغيير الأسس الدينية من لاهوت نظري إلى أخلاقي ومن عقيدة إلى سلوك تدل على عقلية دينية عميقة.

وبعد قرن من الصراع بين مثالية (كنط) ومادية عصر التنوير حسم الصراع لصالح (كنط) وأصبحت آراؤه محور الأفكار الفلسفية في القرن التاسع عشر.

من الفلاسفة البارزين في هذه الفترة (جورج ولهلم فردريك هيجل:  1770- 1831): ولد في شتوتغارت  في ألمانيا ويعتبر أحد أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، لقد ظهرت الفلسفة الحديثة، والثقافة، والمجتمعَ في نظر هيجل مشحونة بالتناقضاتِ والتَوَتّراتِ، كما هي الحال بالنسبة للتناقضات بين الموضوعِ وجسمِ المعرفةِ، بين العقلِ والطبيعةِ، بين الذات والآخر، بين الحرية والسلطة، بين المعرفة والإيمان، وأخيرا بين التنوير والرومانسية، وقد كان مشروع هيجل الرئيسي أَنْ يَأْخذَ هذه التناقضاتِ والتَوَتّراتِ ويضعها في سياق وحدة عقلانية شاملة موجودة في سياقاتِ مختلفةِ، دعاها "الفكرة المطلقة "أَو" المعرفة المطلقة". فكل رأي وكل موقف في العالم يؤدي إلى موقف معارض له، وبعدئذ يتحد هذا المعارض أو الضد معه لينتج حقيقة أعلى، فالتعارض بين المحافظين والمتطرفين في السياسة مثلا يؤدي إلى مذهب الأحرار.

ليست الأفكار وحدها هي الخاضعة  لهذا التطور الذي تحدث عنه هيجل بل الأشياء والصلات الاجتماعية أيضا، إن الأفكار والعالم يتبعان القانون نفسه والعقل هو الوسيلة اللازمة لإدراك هذه العملية المنطقية وهي الانتقال من تعارض إلى وحدة ومن وحدة إلى تعارض، و عمل العقل ومهمة الفلسفة هي اكتشاف الوحدة الكامنة في التعارض أو التناقض، ومهمة علم الأخلاق هي توحيد السلوك والمثل، ومهمة السياسة توحيد الأفراد داخل الدولة وادارة المصالح بين الدول لتحقيق تحالفات لصالح الإنسانية، أما صراع الخير والشر فهو مرحلة على طريق بلوغ الخير وتحقيقه، ومهمة الدين هي بلوغ المطلق الذي تنحل فيه جميع هذه المتناقضات في وحدة، إنها الوصول إلى المطلق أو الله الذي تتحرك به جميع الأشياء وتعيش وتوجد وتجد فيه أهميتها. إن الفكرة تدرك نفسها كجزء من المطلق متجاوزة حدود الفرد وأغراضه ساعية إلى الانسجام والوحدة من خلال جميع النقائض. إن تصميم العالم عقلي بالمطلق. إن سبيل الإنسان إلى تحقيق ذاته هو الانحياز إلى كل ما ينتمي إلى هذا العالم وليس ما يقع وراءه، ويقول في كتابه "ظواهر العقل"- 1807: إن الروح العالمية المتعالية (الله) لا تحقق إمكاناتها الكاملة إلا إذا غمرت نفسها في ظروف الزمان والمكان على ما تفرضه من حدود وقيود وهي تجد أقصى تحقيق لها في عقل الإنسان، ومن ثم فعلى البشر أن يتخلوا عن الفكرة القديمة -فكرة الإله المتعالي- حتى يفهموا أنهم أيضا ربانيون. يمكن النظر إلى هذا الادعاء الذي يمكن اعتباره صورة من صور الحلول المسيحية على أنه يمثل علاجا للإحساس بالاغتراب عن عالم الحداثة عند الكثيرين من أبنائه. إن أفكار هيجل هذه تعبر أولا وقبل كل شيء عن قوة الاندفاع التقدمية للحداثة، لقد تصور هيجل عملية جدلية يقوم البشر فيها باستمرار بتدمير الأفكار القديمة التي كانت مقدسة ولا خلاف عليها في يوم من الأيام فتتولد من كل حالة قائمة حالة مناقضة ويتضارب النقيضان ثم يتكاملان لإنتاج حالة جديدة ثم تتكرر العملية بلا نهاية فلا تمكن العودة إلى الأسس والأصول، بل هو تطور متواصل يؤدي إلى إيجاد حقائق جديدة غير مسبوقة باستمرار.

الملفت للنظر اهتمام هيجل بموضوع الله بالرغم من أن الأوساط الثقافية في عصره كانت قد بدأت النظر إلى الدين ومنطق الروح لا بصفتهما من الموضوعات البالية فحسب، بل باعتبارهما أفكارا سلبية بإمكانها إلحاق الضرر بالإنسان والمجتمع وتزيد من إحساس الإنسان بالاغتراب بدلا من أن تعالجه، فيقول (لودفيج فوربا 1804-1872) إن الدين حين يقيم الإله نقيضا للإنسانية فإنه يتسبب في عزل الإنسان عن ذاته؛ فالله كامل والإنسان ناقص والله باق والإنسان فان، والله قادر على كل شيء والإنسان لا حول له ولا قوة.

للأسف فقد فقدت ألمانيا بين عامي 1827 – 1832 ثلاثة عظماء هم: غوته وهيجل وبيتهوفن مختتمة عصرها الفكري العظيم، لتجد نفسها في عام 1848 وقد خيبت ظنها المثالية، في الفيلسوف المتشائم (شوبنهاور) الذي صورت فلسفته حالة اليأس التي عرفتها أوروبا آنذاك، بعد الحروب المدمرة التي صال وجال فيها نابليون بونابرت مخلفا الكثير من الكوارث والفوضى والملل والحزن مما جعلها تصغي لشوبنهاور وتجعل منه صوتا لفلسفتها، أضف إلى ذلك هجوم العلم على اللاهوت وآثار الحرب وانتشار الفقر والكفاح من أجل البقاء والدعوة إلى النظم الاشتراكية، كل ذلك ساعد شوبنهاور على ارتقاء سلم المجد والشهرة إلى ذروته.

من أهم أفكار شوبنهاور ما جاء في كتابه "العالم كإرادة وفكر"، وأهم هذه الأفكار نجده في الفصل الأول من الكتاب في هجومه على المذهب المادي، فهو يتساءل بقوله: "كيف يمكننا أن نفسر العقل بأنه مادة ما دمنا لا نعرف المادة إلا عن طريق العقل؟".

يقول شوبنهاور:

" ... كلا لا يمكننا أن نصل إلى الحقيقة ببحث المادة أولا، ثم بالانتقال منها إلى بحث الفكر، بل يجب أن نبدأ بما نعرفه معرفة مباشرة قريبة وهو أنفسنا، إننا لن نصل أبدا إلى طبيعة الأشياء الحقيقية من الخارج مهما طال بحثنا، ونحن في ذلك مثل رجل يدور حول قصر باحثا عبثا عن مدخله دون أن يعرف ما فيه، إننا إذا استطعنا كشف طبيعة عقولنا النهائية فقد نظفر بمفتاح المعرفة لعالمنا الخارجي.

لقد اتفق العلماء جميعا على أن جوهر العقل هو الفكر والإدراك، وان الإنسان حيوان عاقل، والآن يجب أن ننبذ هذه الغلطة ونطرحها جانبا، لأن الإدراك هو مجرد قشرة سطحية لعقولنا، ولا نعلم شيئا عما في داخل هذه القشرة كما أننا لا نرى من الأرض سوى قشرتها، إذ أن تحت العقل الواعي إرادة واعية واخرى غير واعية، هذه الإرادة اللا واعية قوة حيوية ملحّة و فاعلة، إنها ذات رغبة آمرة عاتية، قد يبدو العقل للوهلة الأولى و كأنه يقود الإرادة، لكنه في الواقع كالدليل الذي يقود سيده فقط، مثله في ذلك كمثل الرجل الأعمى القوي الذي يحمل على كتفيه الرجل الأعرج المبصر، فنحن لا نريد  شيئا لأننا وجدنا أسبابا لذلك، ولكننا نضع الأسباب لأننا نريده، وقد وضعنا الفلسفة والدين واحكمنا صنعهما لنحجب فيهما رغباتنا، فالإنسان مسوق برغباته وليس بعقله. تأمل في كفاح الناس لتأمين طعامهم ومعيشة زوجاتهم وأطفالهم، هل يمكن أن يكون هذا بدافع من العقل؟ كلا ولا ريب، والسبب هو إرادة الحياة المدفوعة بالغريزة وليس بالعقل. ليس العقل سوى وزير خارجية أنتجته الطبيعة لخدمة إرادة الفرد، وقد أُعد لمعرفة الأشياء التي هي دوافع لما يريد، هذه الرغبات المستترة تحت سطح العقل هي الشيء الوحيد الثابت في الوعي والإدراك وهي التي تربط جميع آراء الفرد وأفكاره ببعضها وتجعلها في انسجام دائم مستمر.

إن نبوغ العقل يستثير الإعجاب والتقدير ولكنه يستحيل أن يحظى بالمحبة، كذلك فإن جميع الديانات تعد بالجزاء وتنادي به لحسنات الإرادة والقلب، لكنها لا تعد بالثواب على نبوغ العقل والفهم المنطقي للحسنات. العقل يتعب، أما الإرادة فلا تتعب، والعقل يحتاج إلى النوم، لكن الإرادة تعمل حتى في حالة النوم، إن التعب كالألم له مكان في الدماغ، أما العضلات التي لا تتصل بالدماغ كالقلب مثلا فلا تتعب إطلاقا، والعقل يتغذى في حالة النوم، أما الإرادة فلا تحتاج لتغذية، إن النوم قطعة من الموت استعرناها لتجديد ما استنزفناه من حيوية وحياة أثناء اليقظة. إن النوم عدونا الأبدي الذي يتملكنا جزئيا حتى في حالة اليقظة". 

وبعد، فماذا لو عممنا مفهوم الإرادة على كل ما في الطبيعة من جماد وحيوان ونبات؟ أليست كلها مدفوعة بغريزتها أو إرادتها لتستمر الحياة؟ لكن إذا كان العالم في حقيقته رغبة وأهواء، فلا بد أن يكون مليئا بالألم والمعاناة ذلك أن الرغبة تتطلب دائما المزيد مما حصلت عليه، فإذا ما أشبعت رغبة أطلت من ورائها عشرات الرغبات التي تطلب إشباعها وتحقيقها، إن الرغبات لا تنتهي ومن المتعذر إشباعها جميعها، لذلك فلن نبلغ السعادة أو السلام الدائمين أبدا. لذلك فقد سعت المسيحية وأكثر منها البوذية إلى كبت الشهوات والرغائب في سبيل الوصول إلى راحة وسلامة النفس.

وهكذا كانت أوروبا تتلمس طريق النهضة متجرعة آلامها وآمالها من خلال النهوض مرة والصعود مرات أخرى، بينما كان الشرق يغوص في ظلمات التخلف وينتقل إلى هوامش صناعة التاريخ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما قاله أعلام علماء المسلمين عن كروية الأرض و شكل الكون

أمثولة الكهف؛ قصة الحقيقة و الوهم

ظلمات البحر اللُّجي