كيف عالجت الفلسفة الحديثة مسائل الوجود والحرية والاختيار

 لقد وضع الإنسان، الذي جعل من نفسه منتجاً وحارسا لأسلحة الدمار الشامل، الحضارة الإنسانية بماضيها وحاضرها على شفا جرف من الجحيم قد تقع فيه في أية لحظة نتيجة قرار خاطئ يمكن أن يتخذه أحدهم هنا أوهناك. لقد أصبح بمقدور البشرية أن تدمر نفسها بنفسها وأن تدمر كل ما على سطح الأرض، وأصبح لزاما عليها أن تقرر فيما إذا كانت ترغب بالاستمرار في الحياة.

هذا ما قدمه العلم والتكنولوجيا للناس حتى بداية القرن الحادي والعشرين، لكنه لم يقدم حلولا لمشكلات الإنسان الوجودية الكبرى في الاختيار والحرية والهدف.

لا شك أن التطور التقني الهائل الذي قدمته وسائل التواصل والاتصال والمعلوماتية قد جعل العالم قرية واحدة وأصبح كل فرد من أفراد هذه القرية مسؤولا عن العالم من حوله بحسب موقعه وامكاناته، بل إن الإنسان اليوم على عتبة اكتشافات ستضعه أمام آفاق لا حدود لها ليس على الأرض فحسب بل على كواكب أخرى واعدة في مجموعتنا الشمسية وربما في الكون كله مستقبلا.

وهكذا فقد أصبح العالم بكل ما فيه من فوضى وآمال، ومظاهر للعنف والانحراف والتناقضات والتطلع نحو المستقبل يلقي في وجه الفلسفة بكثير من التحديات والنُذر يستحيل تجاهلها، كيف لا والفلسفة هي الحكمة التي تحاول أن تعطي للوجود الإنساني معناه وقيمته، فإذا قُدّر للإنسانية الاستمرار في الوجود فلن يكون ذلك لأنها سبق أن وجدت، بل لأنها قد قررت لوجودها أن يستمر. أضف إلى ذلك أن قيام الحربين العالميتين وما تلاهما من حرب باردة بين القطبين البارزين في العالم: الاتحاد السوفييتي والحلفاء الغربيون بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، قد ترك أثرا واضحا في تكوين وتطور الفلسفة المعاصرة، لقد كانت النتيجة أن تهاوى وهم رخاء الرأسمالية اللا محدود و دعوى الديمقراطية الهشة التي أصبحت حكرا بين أصحاب النفوذ والأموال يداولونها بينهم ووهم المثالية الطيبة التي تصورت عالما حالما ورديا كل شيء يجري فيه بعدل وانتظام دون تدخل من قبل الإنسان، هذه النزعات التلفيقية واجهتها امتحانات قاسية في قلب الحياة نفسها فانقلبت الليبرالية العقلية إلى نزعة فاشية عدمية، وتحول المذهب التفاؤلي إلى وجودية مأساوية، حتى الفلسفات القديمة اضطرت إلى إدخال تجديدات على فكرها لمواجهة الواقع الجديد.

كان الأساس في نشأة التفكير المعاصر قائما على مرتكزين: إفلاس التزمت الديني، وافلاس التزمت العلمي وأصبح البحث عن طريق ثالث هو ليس بالمثالي ولا بالمادي سمة ثابتة للتفكير في عصر الإمبريالية. وفي جميع الحالات بدا العقل وكأنه النسيج الذي يصنع منه العالم، وبدا أن الوعي مركز لخلق الواقع المادي وقوانينه وكذلك لخلق القيم الأخلاقية بكل ما تتضمنه من التزام.

لقد حاولت اللا أدرية فتح طريق ثالث بين المثالية والمادية لتوفر تعايشا سلميا بين العلم والدين بوضع حاجز ترقيعي بينهما فباءت محاولتها بالفشل لقيامها على تفتيت الحياة الواقعية والشخصية للإنسان عندما قذفت بالعلم خارج حدود التاريخ الواقعي الذي حقق العلم بمنجزاته فيه الكثير، ووقفت من جهة أخرى موقفا سلبيا باهتا من الدين الذي عشش في الذاكرة الإنسانية عبر العصور ومنحها الهدف والثقة بالمستقبل والأمان.

لقد تحول العلم تدريجيا ابتداء من غاليلي حتى ديكارت بل وحتى آخر المكتشفات العلمية في القرن التاسع عشر إلى ساحر يقدم لنا المعرفة الوحيدة الممكنة التي تزود الإنسان بتفسير لوجوده الخاص، وأصبح الإيمان بالتقدم الذي لا حدود له والقائم على التزايد المستمر للمعرفة العلمية عقيدة راسخة لا تقبل النقاش، هذه العقيدة تقوم على المسلمات التالية:

- كل معرفة علمية تمثل نسخة مطابقة لواقع من وقائع الطبيعة لذا فإن الحقائق الأساسية في العلم لا تقبل النقاش وبالتالي فإن تقدم المعرفة يجب أن يقوم على تراكم مستمر في الحصيلة العلمية.

- كل الوقائع الطبيعية والإنسانية قابلة للكشف عنها عن طريق منهج واحد تقدم لنا العلوم الفيزيائية والرياضية نموذجا فريدا له.

- يترتب على ذلك أن جميع المشكلات بما في ذلك المشكلات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية تجد حلا لها عن طريق هذا المنهج.

لكن ما إن حل الربع الأول من القرن العشرين حتى تحطم هذا التصور العقيم للعلم وذلك بأن شهدت الفيزياء ثورتين قلبتا كل المفاهيم التقليدية فيها رأسا على عقب، أولاهما النظرية النسبية التي غيرت المفاهيم عن الزمان والمكان وضمتهما معا في بعد طبيعي واحد وبينت أنهما وجهان لعملة واحدة أسمتها الزمكان، ولم يعد الزمان بعدا مطلقا يسري بمعدل واحد في جميع أرجاء الكون كما تخيله نيوتن، بل بعداً طبيعيا يتعرض للتمدد أو الانكماش تبعا لسرعة المرجع الذي يقاس بالنسبة له. أما الثورة الثانية فقد كانت القاضية على كل مفاهيمنا عن الواقع الذي كاد أن يكون وهما في عالم الدقائق المكونة للذرة حيث تتمتع هذه الدقائق بصفات الطاقة والمادة معاً، لقد أصبح من الواضح أن التوفيق بين نتائج الميكانيك الكمومي الذي يدرس الدقائق داخل الذرة والمفاهيم التقليدية التي تدرس (الواقع) من خلال القوانين الفيزيائية التقليدية وتعتبره أساسا في تكوين الوعي والإدراك يتطلب إعادة تعريف لما نعنيه بكل من الواقعية والموضوعية. يقول العالم بول لانجفان[1]:

"من الضروري أن يعاد النظر في أكثر الأفكار رسوخا وشيوعا ... لأن الأفكار التي كنا نستخدمها في التعبير عن وجود الأشياء المألوفة كانت صادرة عن معالجة بالية قديمة لها"[2]

لقد أدى القول بالحتمية المطلقة في العلم إلى فقدان العلم لطابعه الإنساني وأصبحنا أمام نوع من القدرية الدينية في العلم، وأصبح العلم أمام تحدٍ جديد للخروج من انطوائه المرتعد إلى عالم جديد من اللامعقول.

أما عدم اليقين الذي قدمته اللا أدرية فإنه قد مات و عفا عليه الزمن، ولم يقدم أية إجابة عن تساؤلات الإنسان واماله، بل تركه ريشة في مهب رياح عاتية تعصف به في كل اتجاه، ولم يكن غريبا أن تقوم  ابتداء من عصر النهضة حتى الثورة الفرنسية حركات انقضاض ضد الحكومة الدينية وضد الدين المتزمت قضي من خلالها على الإله الذي كان يحمي الحق الإلهي للملوك ويحافظ على سلطان الملكية المطلقة في مجتمع قائم على الإقطاع في الأرض، والذي انقلب أحيانا إلى إقطاع مزعوم في السماء عندما كان كهان الكنيسة في العصور الوسطى يبيعون أراض في الجنة لمن يملك المال بموجب ما أسموه بصكوك الغفران، ويقطعون ألسنة من يعارضهم القول أو  يحرقونهم أحياء، وقضي كذلك على الإله الذي قدمه اللاهوت، من خلال التفاسير الساذجة لرجال الدين البسطاء، فقد اختفت فكرة الخلق بمعناها الحرفي الأسطوري والتي أدانها تماما التصور العلمي للعالم، لقد ركزت الفلسفة المعاصرة على تفهّم الدور الذي تقوم به معرفتنا للطبيعة والتاريخ الخاص بأفعال الإنسان وما يستلزمه ذلك من تحمله للمسؤولية من جهة وضرورة تمتعه بالحرية من جهة أخرى، متخذة موضوعها من الوجود الواقعي وتفاعلاته مع الإنسان.  

وهكذا انتهى تصور العالم الذي يخلو من حضور الإنسان، وقد ظهر ذلك بوضوح على يد (ادموند هوسرل) في ألمانيا، الذي أثرت أفكاره تأثيرا بعيدا في الفلسفة المعاصرة:

تقوم فلسفة هوسرل على نظرة وتقييم جديدين لما حملته العلوم من دلالة بالنسبة لوجود الإنسان[3]، وتمثل نقدا موجها ضد التصور المادي والنفعي للعلم لإعادة النظر في الأسس التي قامت عليها المادية الآلية من جهة[4] والمثالية المتعالية[5] والمناقضة لها تماما من جهة أخرى.

ولكي نستبعد التفسير الشكي اللا أدري واللا معقول للعلم ينبهنا هوسرل إلى أنه حين يتحدث عن أزمة فإنه لا يقصد بذلك أن يشكك في فعالية وقيمة الحقيقة العلمية ومستقبل العلوم بل قصد على العكس من ذلك مهاجمة النزعة الشكيّة التي قد يؤدي إليها تصور معين للعلم- لا العلم نفسه- وهو التصور الذي قام عليه المذهب الوضعي وجرد العلم من كل دلالة إنسانية.

إن ما طرأ من مستجدات علمية في مطلع القرن العشرين هو الذي جعل إعادة النظر في الأفكار البديهية التي كانت تقوم عليها العلوم أمرا محتما، فقد حطمت الهندسات اللا إقليدية والنظرية النسبية لآينشتاين ونظريات الميكانيك الكمومي التصورات التقليدية لعلم الفيزياء حول الزمان والمكان والتي اعتبرها كل من ديكارت و كنط صورة أولية وضرورية للإدراك الحسي، واصطدم المبدأ القديم للحتمية باستحالة تحديد مكان الجسم وسرعته في آن واحد في عالم الجزيئات الدقيقة المكونة للذرة كالإلكترون، ولم يعد بالإمكان أن نضرب صفحا عن حضور الإنسان و عن تدخل وعيه في مجريات التجارب الواقعية، كل هذا أصبح يدعونا إلى التفكير في معنى واقعية العالم وواقعية الصورة الذهنية التي نكونها عنه، بل يدعونا أكثر إلى التفكير في معنى الحقيقة، فلن ننظر إلى الأفكار على أنها حقائق أبدية صادقة دائما تنطبق على بناءات في الواقع بل سترتبط بالحركة التي ولدتها وستتوقف على المقتضيات العملية التي تعايشنا معها و دفعتنا إلى التفكير فيها. إن الحقيقة ليست واقعا محددا يقبع خارج ذواتنا، بل هي علاقة جدلية بين الوعي والفعل.

إن تقدم العلوم وتقدم التاريخ نفسه قد أظهرتا أننا لا نستطيع أن نسقط من حسابنا وجود الإنسان لجهة المسؤولية الكبرى التي يحملها في هضم التصور العلمي للعالم وفي استمرار التاريخ.

يذكرنا هوسرل في هذا الصدد أن الهندسة باعتبارها علم تحويل موارد الطبيعة إلى منتجات ومنشآت تسخر في خدمة الإنسان بالطريقة المثلى قامت واتخذت معناها على أساس من الواقع والإمكانات المتاحة، لكن الأفعال التي قام بها الإنسان في هذا المجال ومبادراته وجميع المقتضيات العملية التي أوجدت تلك الأفكار والمناهج التأسيسية الأولى للهندسة التي دعت إليها الحاجة المادية في الأصل ونتجت عن تفاعل الإنسان مع بيئته قد طواها النسيان بعد مرور القرون عليها ولم تعد تظهر إلى السطح.

أما التصور الآلي للطبيعة الذي بدأ مع غاليليو في القرن السادس عشر وسيطر على العقول لثلاثة قرون لاحقة فقد أسقط من حسابه أولا الطبيعة الحسية لموضوع المعرفة كما أسقط ثانيا المبادرة التي تقوم بها الذات العارفة، وهو تجريد مزدوج أدى إلى فقر مزدوج للعلم.

هذا المنهج القائم على حذف الإنسان والغاء حضوره يمكن أن يؤدي استخدامه إلى نتائج إيجابية في علوم الطبيعة لكنه لا بد أن ينتهي إلى الإفلاس في مجال العلوم الإنسانية.

لقد مثّل ديكارت[6]  قبل هوسرل مصدر تيارين فلسفيين كبيرين أقام كل منهما المعرفة على أساس وجود موضوع بلا كيفية محسوسة ووجود ذات بلا فعالية: في الطريق الأول سار الفيلسوف سبينوزا، و في الثاني الفيلسوف لوك، الأول هو طريق المذهب العقلي المجرد، والثاني هو طريق التجريبية السلبية، وقد مُسخ وجود الذات الإنسانية في هاتين النظريتين، وأصبح ينظر إليها إما على أنها ممر لعبور أفعال بلا فاعل، صادرة عن روح مطلقة ومحكومة بقوانينها الخاصة، واما على أنها مرآة أو قطعة رخوة من الشمع تسجل على صفحتها تسجيلا سلبيا الآثار والانطباعات الآتية لها من العالم الفيزيائي.

هاجم هوسرل هذه النظرة التي تحول فيها العقل إلى جزء من الطبيعة وحاول من جانبه تحديد العلاقة بين الفكر والموضوع فقال: "لا تتحدد العلاقة بين الموضوع والفكر عن طريق القول بالانعكاسات الذاتية بل عن طريق دلالة الموضوع ووجوده".

وهكذا فإن فلسفة الظواهريات عند هوسرل قد أتاحت لنا التخلص من كل تصور آلي مصدره نظرية الانعكاسات، ولم يعد الإنسان مجرد جزء أو منطقة في الطبيعة لا يربطه بها إلا روابط سببية.

وعلى هذا النحو غيّر علم النفس من منهجه تغييرا جوهريا، فلم تعد مهمته قائمة في أن يجعل من كل من الحالات النفسية سواء كانت صورة حسية أو انفعالا أو رغبة، أن يجعل منها حلقة في سلسلة طبيعية تربط العلة بالمعلول بل أصبحت قائمة في الفهم، أي في توضيح العلاقة الإنسانية الفعالة بالحدث وبإظهار الدور والمسؤولية الإنسانية بالحدث وبأن الإنسان هو مصدر كل سلوكه وليس ظاهرة تتصف بالسلبية. فالإنسان ليس موضوعا بل ذاتاً تمثل مصدرا للمبادرة والمسؤولية.

والحق أن جوهر فلسفة الظواهريات قائم في الكشف عن غموض طبيعة الوعي الإنساني واظهار أن الحياة الشعورية ليست قطاعا من الطبيعة الفيزيائية لأنها تحوي على المبادرة والمسؤولية الأخلاقية، فالغضب والخوف مثلا لا يمران في الوعي كما تمر الغيمة في السماء، والجبن والشجاعة لا يمكن أن يكونا قد نقشا في طبيعة الإنسان كما يرتبط الوزن بكمية من الخضار أو الفواكه، إنهما يتوقفان على الإنسان نفسه بدرجات مختلفة وفقا لظروفه وتجاربه مثل حياته الماضية والوسط الذي يعيش فيه حاليا، وسواء ترك الإنسان نفسه فريسة لإدمان المخدرات أو ارتفع فوق الأحداث حتى يصل إلى درجة البطولة، فإن كل هذا يتوقف عليه ويتحمل مسؤوليته.

بالخلاصة فإن العلاقة بين الوعي وموضوعه سواء في الدراسات الإنسانية أو الطبيعية ليست علاقة بين واقعتين تقع كل منهما خارج الأخرى بعيدة ومستقلة عنها، ففي علم النفس لا تمثل المعرفة واقعة بل فعلا، فإذا اعتقدت أني غضوب بطبيعتي فإني سأرفض الوسائل التي تجعلني أسيطر على مخاوفي.

وفي العلوم الطبيعية فإن مجرد رؤية سقوط التفاحة من الشجرة لن يجعلنا نكتشف قانون الجاذبية إلا بتدخل الوعي.

من الأفكار الهامة التي قدمها هوسرل في ظواهريته فكرة (الاتجاه القصدي) وهو الفعل الذي نضيف به معنى لوجود الشيء، فالعلاقة بين الوعي وموضوعه ليست علاقة شيء بصورته التي تظهر في المرآة، إنها علاقة تفاعل ايجابي يتطور إلى نتيجة محددة. الوعي إذا حرية ومفارقة للذات، لكنه لا يمثل مفارقة جوفاء أو حرية في فراغ، إنه وعي بإدراك كلي أو نظرة شاملة؛ إن لوحة (الموناليزا) مثلا ليست رسما لفتاة جميلة بالألوان، بل نظرة إنسانية شمولية لتوقف الزمان والمكان في لحظة معينة وتفاعلهما في تلك اللحظة بعلاقة مميزة مع الإنسان.

نخلص من كل ذلك إلى أنه لا وجود للحقيقة بمعزل عن الإنسان، وذلك لأن وجود الإنسان متبلور في هذه الحقيقة بعكس ما تقدمه لنا الموضوعية العلمية من حقائق وقوانين جامدة تفتقد الوعي الإنساني الذي أسهم في تكوينها.

إلا أن نقطة الضعف في مذهب الظواهريات أنه يجري خارج الزمان بعيدا عن التاريخ متجاهلا علاقة الروابط الإنسانية ودورها في صنع التاريخ والمجتمع، لذلك نجد ليفيناس ( [7](Emmanuel-Levinas يسجل اعترافه بهذا قائلا: "الوعي الذي تقوم فلسفة الظواهريات بتحليله لا يمثل بأي حال من الأحوال وعيا منخرطا في المجتمع ولا متداخلا مع التاريخ"[8]

الواقع أن معنى الأشياء لا يتوقف علي أنا إلا في حالات نادرة تعبر عن أزمة عميقة أمر بها واطرح فيها وجود الأشياء بالنسبة لي طرحا يلائمني في حالتي الخاصة هذه، لكن المعنى الذي تقع عليه الأشياء قد حفرته في الأشياء ذوات واعية غير ذاتي الواعية، هذا المعنى كان من عمل أناس آخرين جاؤوا قبل وجودي وأسهموا من خلال عملهم وتاريخهم في إكساب الأشياء دلالتها التي هي عليها.

نقطة الضعف في فلسفة هوسرل تتلخص إذا في أنها تجري خارج التاريخ، إنها تقتطع من التجربة الإنسانية الشاملة الواقعية الحية لحظة واحدة تتجه إليها متنكرة لفسيفساء الحياة المتنوع من جميع جوانبه: العلمية والفنية والصراع الاجتماعي والانتماء التاريخي والالتحام الشامل بالكون، وتطالب بعدم الاعتراف بهذا كله لصالح لحظة نظرية في الحياة، نظرت إليها نظرة متميزة، فليس غريبا بعد ذلك أن ينتهي الأمر بهذا الوعي وهذه الذات المتوحدة إلى اليأس وتعرية الإنسان أمام الوجود كما هو الحال عند هايدجر[9]، وإلى الحصر النفسي كما هو عند ياسبرز[10].

من جهتها حاولت الفلسفة الوجودية إيجاد علاقة بين الذات والوجود؛ يذكرنا سارتر أحد أهم مؤسسي الفلسفة الوجودية بنقطة البدء لهذه الفلسفة فيقول في كتابه: (الوجودية فلسفة إنسانية) ما يلي:

"في عام 1880 حاول بعض المدرسيين الفرنسيين أن ينشئوا أخلاقا علمانية، فكانوا يقولون: إن القول بوجود الله فرض لا غنى عنه لكنه باهظ التكلفة، لذلك فإننا نلغيه من حسابنا، لكن - وبالرغم من ذلك- لا بد من أجل أن تقوم أخلاق ويقوم مجتمع ويشّيد عالم يخضع للنظام أن تؤخذ بعض القيم مأخذ الجد، ولا بد أن ننظر إليها على أنها ذات وجود مبدأي ... وبعبارة أخرى إذا افترضنا أن الله غير موجود فإن ذلك سيؤدي إلى عواقب وخيمة، ذلك لأن كل القيم التي كان من الممكن أن نقول بوجودها كمقولات بنّاءه ستختفي معه" ... و كان دوستويفسكي قد كتب يقول: "إذا لم يكن الله موجودا، فسيصبح كل شيء مباحا".[11]

الحقيقة أن الأمر في الواقع لم يكن أمر قرار اتخذه بعض المدرسيين الفرنسيين بل كان تعبيرا عن نضج ظاهرة تاريخية بدأت مع انهيار العالم البرجوازي ووصلت إلى ذروتها عام 1929 في ظهور أزمة اقتصادية عالمية، وصدامات دولية آذنت بقيام الحرب العالمية الثانية، وانفجار الثورة البلشفية في روسيا، ونمو النظم الفاشية في أوروبا.

من جهته ظن كيركغارد[12] أن العالم الذي يتطور وفق قوانينه الخاصة لن يكون فيه مكان للإنسان، ولهذا استبعد من فلسفته الطبيعة والمجتمع وتاريخهما، يقول: "إن امتزاج الفرد بفكرة الدولة والمجموع والجماعة والمجتمع يبعد الفرد عن الاتصال مباشرة مع الله، إذ لابد لهذا الاتصال أن يمر بجميع هذه الحلقات أولا، وبهذا نكون قد وضعنا الفرد بعيدا عن الله من خلال أكثر المصطلحات الفلسفية تهذيبا وخداعا".[13]

يُلاحظ تأثر أفكار كيركغارد هنا بموضوع الاعتراف الذي تمارسه الكنيسة وتضع من خلاله وسيطا بين الإنسان وربه بغير مبرر معقول.  

هذه النزعة الذاتية المطلقة لا تخلف سوى العدم، فالإلحاد اليائس الذي انتهي إليه فيلسوف مثل سارتر والذي قال فيه أن الإنسان فقاعة لا غناء فيها قريب جدا من إيمان كيركغارد الذي يعد شيخ المتصوفة الذين أقاموا تصوفهم الديني على أساس عدم وجود الله. فالذاتية والتفرد وعدم الاعتراف بافتقار الوجود البشري إلى موجد والألغاز واليأس والعدم والوجود المتوتر هي الأفكار الرئيسية التي نلتقي بها في كل صورة من صور الفلسفة الوجودية.

لقد مهدت الفوضى الأخلاقية في العالم التي وصلت إلى قمتها بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، خاصة في ألمانيا، لقيام عدمية لا أخلاقية مطلقة، فهزيمتها عام 1918 خلفت فيها خسائر أخلاقية تفوق الخسائر المادية، إذ سادت فيها روح عدمية مطلقة مهدت العقول إلى التسليم في نشوة بالنظام الهتلري بكل ما تضمنه من نزعة لا عقلية متطرفة واكبار للغريزة والأسطورة[14] .

في هذا الجو من الاضطراب بين سماء بدون إله، وارض مضطربة بلا أخلاق، بدت حياة الإنسان خالية جوفاء بدون مخرج، فلم يعد هناك من يأخذ بيد الإنسان نحو الخلاص، ولم يعد هناك قيم ثابتة، واختفت الحقيقة وأصبح العالم عالما غريبا لا سبيل إلى معرفته، وأصبح الإنسان يواجه العدم، وأصبح العدم هو الواقعة الوجودية الرئيسية في نظرة هايدجر للعالم.

ولم تكن هذه النظرة غريبة عن سارتر الذي أراد لنفسه أن يكون شاهدا يقظا على عصره، لهذا فقد عبّر عما فيه من عدم ولا معنى، وعن إرادة الإنسان في أن يجد لنفسه مخرجا منه، فكانت روايته (الغثيان) نقطة البدء في إقرار فلسفة النفي والعبث مقابل فلسفة الإثبات والقيمة. الفكرة الرئيسية للرواية هي أن العالم لا معنى له من حيث أن الإنسان ليس له من هدف يسعى وراءه فيه.

يتساءل بطل الرواية (أنطوان روكنتان) يوما عن مبررات حياته ويسأل نفسه عن وجوده وعن ماهية الكون الذي يحيط به فيصبح نهبا لشعور من الحصر النفسي والاستغلاق والغثيان، والغثيان هو الشعور الذي نحس به أمام واقع يفتقر إلى الهدف من الوجود، مستغلق على نفسه، وابتداء من اللحظة التي أحس فيها روكنتان أن حياته لا هدف من ورائها ولا معنى وانه يسعى فيها إلى غير غاية أحس أنه أصبح موجودا كما يوجد الشيء أو الموضوع، وإذا كانت حياته لم يعد لها معنى فإن العالم لم يعد له معنى مثله هو:

"لقد تلاشت الكلمات وتلاشت معها دلالة الأشياء وطرق استعمالنا لها"[15] .

وتقطعت الأوصال بين الأشياء والعقل، لم يعد لشيء مغزى؛ و "بدأت كل هذه الأشياء التي فقدت مسمياتها تترنح بلا مبرر: كل شيء وجوده مجاني: هذه الحديقة، هذه المدينة، بل أنا نفسي".[16]

يقول روكنتان: "لقد أدركت أني وضعت يدي على مفتاح الوجود؛ مفتاح شعوري بالغثيان؛ مفتاح حياتي الشخصية، والحق أن كل ما وصل إلى معرفتي بعد هذا يرجع إلى أنني أمام وجود عابث بالمطلق"[17]

وهو يحدد معنى العبث بقوله: "إنه ما لا نستطيع استخلاص وجوده من مقدمات".

كانت هذه نقطة الانطلاق في فكر سارتر، فالنقد الذي وجهه ضد العالم الموضوعي متصل اتصالا وثيقا بنقده للعالم البرجوازي: عالم الحقائق الموضوعية والقيم الثابتة التي تفتقد الهدف.

نظر سارتر في هذه الرواية إلى الخصائص المميزة للعالم الرأسمالي في مرحلة انهياره بكل ما وصل إليه من عبث وبشاعة في مبالغة تعسفية على أنها خصائص أزلية للكيان البشري، كما بالغ في نظرته للغثيان على أنه رد فعل ميتافيزيقي أمام الحياة بشكل عام بدلا من كونه مجرد رد فعل تاريخي في مواجهة عالم يتحلل، فبدا الحل لديه وكأنه هروب من عالم الواقع إلى عالم من الخيال والعمل الفني.

في محاضرته التي ألقاها عام 1946 تحت عنوان: "الوجودية فلسفة إنسانية" لخص سارتر هذه التجربة في صورتها العامة قائلا: "عندما نريد الحرية، نكتشف أنها تعتمد اعتمادا تاما على حرية الآخرين، ونكتشف أن حرية الآخرين تعتمد على حريتنا" ثم يستنتج النتيجة التالية: "إنني أجد نفسي مضطرا في الوقت نفسه الذي أريد فيه حرية الآخرين أن أريد حريتي"[18]

هذه العودة الفجائية إلى الأخلاق التقليدية في جو ودي لا يسمح بها مطلقا يعد تناقضا في فلسفة سارتر.

وفي كتابه (الوجود والعدم) أراد سارتر أن يتخطى الاختيار المحرج بين المادية والمثالية. فقد استمر في الرد الفينومينولوجي (الظواهري) حتى النهاية مستمرا في تنقية الوعي حتى أصبح لا شيء "فالوعي لا مضمون له"[19]، فلم يعد الوعي لدى سارتر ذلك الصندوق الذي يحتوي على لوحة نفيسة للعالم والأشياء على شكل نماذج مصغرة وشرائح ضوئية.

وبعد أن طرد الأشياء من الوعي وحدد الوعي من حيث وجوده بأنه يمثل فراغا شاملا فقط باعتبار أن العالم كله يقع خارجه ظن سارتر أنه تفادى الانعزالية المثالية، فالفكرة التي تقول بأن الوجود لا يمكن إرجاعه إلى المعرفة دعوى رئيسية للفلسفة الوجودية.

كتب سارتر يقول: "لقد أحرز الفكر الحديث تقدما هائلا عندما أرجع الوجود إلى سلسلة من الظواهر التي تكشف عنه ... بمعنى أن الظاهرة تحيلنا إلى سلسلة طويلة من الظواهر لكنها لا تحيلنا إلى واقع يختفي وراءها"[20]

لكن ما هو الوجود الذي يتحدث عنه سارتر؟

يقول سارتر: إنه ليس الوجود الذي تقول به المادية لأنه لا ينتج الوعي، وهو ليس الوجود الذي تقول به المثالية لأنه ليس من نواتج الوعي.

وبين المادية والمثالية وجد سارتر مخرجا فيما أسماه ب "البرهان الوجودي" وهو يختلف اختلافا بينا عن البرهان في معناه عند اللاهوتيين وعند ديكارت، الذين بدؤوا من وجود الإنسان الذي لا يقبل الشك باعتباره وجودا مفكرا وشاكا وحاول أن يقّيم الوجود بالنسبة إلى الكائن اللا متناهي الحائز على الكمال المطلق أو الله.

أما عند سارتر فالأمر يتعلق أيضا بالبحث عن حقيقة سامية، لكنها بالنسبة له ليست الله، بل العالم!

ووجود هذا العالم (بدلا من الله) يصبح حقيقة لا قبل للشك فيها منذ اللحظة التي يصبح فيها الوعي، بعد أن فرغ من كل محتوى عاجزا عن الاستمرار في الوجود إلا باعتباره متجها إلى وجود غيره، فالوعي لا يمكن أن يوجد إلا بالقياس إلى وجود سامي: "الوعي وعي بشيء؛ وهذا يعني أن التعالي (التسامي) هو أحد العناصر المكونة للوعي"[21]، ذلك أن الوعي هو ذلك الحدس الذي يوحي بوجود شيء يختلف عنه لا يمكن للوعي بدونه أن يظهر إلى الوجود، فالوعي لا يوجد ويتحدد كيانه إلا بوجود ما يعوزه وهو الوجود عند سارتر، بينما هو الله واجب الوجود عند الفلاسفة الوضعيين.

الوجود عند سارتر ليس مخلوقا ولا خالقا إنه قائم بذاته، إنه يكون هو ما هو عليه.

إن تعريف الوجود على هذا النحو يستبعد الحركة والصيرورة من الوجود وسارتر يقول بهذا صراحة:[22]

وثمة صفة أخرى واخيرة للوجود في ذاته، فلا نستطيع استخلاصه من شيء، ولا يمكننا التعبير عنه أو وصفه بصفة ما، يقول سارتر: "لا يمكن أن يشتق الوجود من شيء ممكن، ولا يمكن إرجاعه إلى الوجود الضروري"[23]. فالوجود يكون بلا مبرر لوجوده.

لكن هذا التصور للوجود تصور متناقض، فكيف يمكننا أن نتصور الوجود الذي لا يتكشف إلا عن طريق الوعي ولا يعتمد هو نفسه في وجوده على الوعي.

إن النموذج الذي قدمه سارتر للعلاقات الاجتماعية، هو نموذج مجتمع له ظروفه التاريخية المحددة؛ مجتمع تسيطر عليه الروح الفردية الشائعة في الحضارة البرجوازية بكل ما تنطوي عليه من فوضى شريعة الغاب، والمنافسة المحمومة بين الجميع، هذا المجتمع يجعل من الإنسان موضوعا أو شيئا من الأشياء نظرا لعلاقات التسلط والعبودية التي تسيطر عليه.

وبالخلاصة فإن الفكر الوجودي في صميمه فكر أناني يقوم على الذات البشرية ويعتبرها نقطة الانطلاق إلى الوعي، يوضح ذلك بردييف بقوله: "تصبح الفلسفة أقل وجودية إذا انتقلت من الذاتية إلى الموضوعية، لكنها تظل وجودية إذا عاش الفيلسوف في الذاتية واتجه منها إلى الوجود المتعالي".[24]

في فترة ما بين الحربين العالميتين عندما تهاوت المبادئ والقيم انتهت الحال بالمفكرين الذين روعهم انهيار الأخلاق إلى أن يعيدوا النظر في بناء الحقائق كلها، بما في ذلك الأساس الذي يعتمد عليه هذا البناء نفسه، وهو الوجود الإلهي المتعالي و كانت الفلسفة الوجودية هي التعبير النموذجي عن هذه الحركة، فقد قامت بهدم التصورات التقليدية للوجود المتعالي أو الله ونظرت إلى هذا الوجود على أنه موضوع أو تصور عقلي، بل على أنه خاضع لتجربة حية واننا نصل إلى وجوده من خلال فعل الذات، واصبح المطلق بذلك قضية ذاتية، لا جوهرا. لقد مات إله أرسطو المسن المحرك الثابت البارد، ولم يعد يحلو للأجيال الصاعدة أن تمثل دور النادبة في جنازته؛ فالإله الوحيد الذي يمكنها تصوره والقابل للحياة هو القوة الخلاقة الكامنة في قلب كل شيء، فالله موجود حيث يوجد شيء جديد في سبيله إلى الولادة: في إبداع فن من الفنون أو في اكتشاف علمي، أو في حب، أو في ثورة، إن الله هو نقيض القصور.

ومن هذه الناحية شهدت المسيحية تحولا فلسفيا كبيرا أدى إلى قيام حركة مناهضة لفلسفة القديس توما الأكويني تطالب بالعودة إلى الأصول الإغريقية للديانة المسيحية[25].

الحقيقة أن مكان الوجود المتعالي كان قد تضاءل بالتدريج في الفلسفة خلال القرنين التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين حتى استحال إلى وجود غير قابل للمعرفة عند سبنسر و كومت.[26] وبذلك فقد أصبح الجو مهيأً للالتفات إلى المسيحية من خلال تعميق الوجود الإنساني، وأصبحت الفلسفات الوضعية المادية تشهد بطريقتها الخاصة على أن هناك رسالة روحية للإنسان لا يستطيع تجاهلها، ذلك لأن الإيمان المفقود لا يمكن أن يبقى طويلا بدون بديل  ... والفضيلة تنهار سريعا في ديانة بلا إله، و في نزعة صوفية لا تستند إلى ما وراء الطبيعة، نجد مثل هذا الشعور حادا جدا عند (نيتشه) بالرغم من أنه قد اتخذ طريقا شاذا، كما نجد له أيضا نظيرا عند ماركس الذي استبدل الوجود المتعالي بسلطة الطبقة العاملة ومهّد بأفكاره هذه للينين كي يصنع نمرا ورقياً من بنات الأفكار هذه لم يلبث أن انهار بانهيار الاتحاد السوفييتي.

تنطلق الكاثوليكية الوجودية من أن فكر الفيلسوف الملحد غير ملتئم وانه يطلب المدد من شيء آخر، في محاولة لإبراز الوجود المتعالي من خلال هذا النقص، وهي إحدى الخطوات المميزة للفكر الكاثوليكي المعاصر والتي كان الرائد لها "موريس بلونديل". لقد رسمت هذه الحركة رسما دقيقا مأساة الإنسانية الملحدة منذ بداية القرن العشرين ورأت أن المسيحية تموت وأن الكنائس لم تعد تمثل دور العبادة لأحد، بل دورا للطقوس والتبتل والزخرفة والتعزية النفسية المبتذلة من غير أساس جاد عميق أو ارتباط بالحياة الإنسانية ... لقد أصبح الدين خارج الحياة وأصبح يضع الناس خارجها.

من أجل أن تُبعث الحياة في هذه الروحية المحتضرة رأت الكاثوليكية الوجودية أنه من الضروري التركيز على التجربة الدينية مع الله وعلى الفرد المخطئ في مواجهة الله، واشاحت بوجهها عن مناهج العلوم في ميادين ما وراء الطبيعية بداهة لأن العلوم الطبيعية تتعامل مع الطبيعة وليس ما وراءها، فلا يمكنني مثلا استحضار العقل في أنبوب الاختبار. وبالنتيجة فقد صُرف النظر عن البراهين التقليدية التي تتناول وجود الله، وأصبحوا يتناولون وجوده من التجربة الإنسانية الحية.

هذا بالنسبة للاتجاه الأول الذي سارت فيه الفلسفة المسيحية الكاثوليكية، أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الذي بحثت فيه عن الله من خلال التاريخ، فكل فكر هو فكر من خلال موقف معين، فهناك تفاعل للنقائض (أو ديالكتيك) للتاريخ وهو الجزء الحق في فلسفة ماركس. فالطبقات المحرومة قد دخلت على مر العصور في صراع مع الطبقات التي قبضت على السلطة، وحدث صراع آخر بين البُنى الاجتماعية الدنيا مع البُنى الفوقية، و صراع النقائض الثوري أو دفع الناس ببعضهم[27] يمثل القانون الذي يخضع له التاريخ، إن ديالكتيك (أو حراك نقائض) التاريخ لا يستلزم الإلحاد بالضرورة بل يتسع اتساعا طبيعيا في شبه حراك ديني تتصارع فيه النقائض وتسعى نحو المطلق، أو الله، الذي هو في المحصلة الأخيرة الكمال والجلال والعدل وغاية الغايات الكبرى، و كما يقول باسكال في تصوره لرموز التاريخ وايحاءاته: "يوجد في قلب المحايثة التاريخية دلالات ومؤشرات ترشدنا إلى الوجود المتعالي وذلك من خلال جميع أفعال الإنسان وليس في النبوءات والمعجزات فقط، ومهمتنا أن نصل إلى معنى هذا التاريخ الذي تحركه النعمة الإلهية"، وبمعنى آخر فإن الأرض يرثها أخيرا أولئك الذين يسعون نحو الكمال المطلق أو الله. وليس التاريخ في نهاية الأمر إلا هذا المشروع الجريء الذي يطمع في السيطرة على عالم مشاكس لينشئ في داخله مجموعة حقيقية من الغايات التي تؤدي إلى مملكة الله.

إن الله متعال لا تدركه الأبصار بل تدرك آياته، ومن أكبر آياته هذا الإنسان الشاهد على وجوده، ولا يمكن للإنسان أن يحقق ذاته إلا عندما يتخطى نفسه، والله هو الوحيد القادر على أن يملأ ذلك الفراغ الذي يشعر به الإنسان من داخله ومن حوله.

الاتجاه الثالث الذي سارت فيه الكنيسة باحثة عن المتعالي (أو الله الذي ليس كمثله شيء) هو اتجاه يضع الحدود أمام العلم ويحيله إلى ميدانه الخاص، في محاولة لفرض الإيمان بعيدا عنه تدعيما للامعقولية وغموض الحياة.

هناك عنصر مشترك يجمع بين هذه المحاور الرئيسية الثلاثة، وهو الحرص على أن ينبثق الوجود المتعالي من نقص في باطن الواقع يسعى نحو الكمال، والشعور بهذا النقص في التجربة الحية للإنسان سواء في وجوده الخاص أومن خلال التاريخ أو عن طريق العلم، أما الزعم باكتفاء الواقع بنفسه أوان الدائرة تقفل في أي وجه من أوجه النشاط الإنساني فهو العدو الذي تحاربه جميع هذه الاتجاهات، إذ أن إقفال دائرة السعي يعني بحد ذاته توقف تقدم التاريخ والعلم والتسامي لدى الإنسان.

كان رائد هذه الحرب ضد الاكتفاء الذاتي من جديد (موريس بلونديل)[28]  الذي كتب يقول: " ليس أكثر إلحاحا من أن ندخل في مناقشة منهجية مع تلك الديانة الحديثة التي تقوم على افتراض القدرة المطلقة الكامنة في الفعل الإنساني وكفايته بذاته"[29]. وقد استحوذت هذه الفكرة على جميع كتاباته وهي أن الإنسان لا يمكن أن يحقق ذاته إلا عندما يتخطى نفسه، وان الله وحده هو القادر على أن يملأ ذلك الفراغ الذي يشعر به الإنسان في داخله ومن حوله، وباختصار فالإنسان لا يمكن أن يقوم وحده.

"هذا الواجب الوجود الأوحد يقف في بداية ونهاية كل الطرق التي يستطيع أن يسلكها الإنسان: في ختام البحث العلمي وفي حب الاستطلاع الذي يدفع بالعقل الإنساني إلى الأمام، في خلاصة العاطفة المخلصة الملتهبة، في ختام الألم والمعاناة، في ختام الفرح والشعور بالجميل، في كل مكان، سواء هبط الإنسان في أعماقه أو صعد إلى قمم التأمل الميتافيزيقي فإن الحاجة نفسها ستحدد الشعور بالله، لا شيء مما عرفته أو تملكه أو فعلته سيكفي نفسه بنفسه، ولا شيء من هذا كله سيكون هباء. سيتعذر عليه أن يكتفي بما وصل إليه، وسيتعذر عليه أيضا أن يلقي به وراء ظهره"[30]، فالفعل الإنساني معناه أن يضيف الإنسان إلى العالم شيئا من ذاته وان يكون مدفوعا بغاية تحقق له الرضا والاكتفاء التامين ويبرز القصور دوماً بين النية التي تدفع الإنسان إلى الفعل والنتيجة التي يحققها من وراء الفعل ودائما يكون ما نحققه من نتائج أقل مما كنا ننوي تحقيقه بالفعل. هذا القصور بين لا نهائية الإرادة ومحدودية نتائج الأفعال يقودنا عن طريق ديالكتيك (جدل حراكي) تصاعدي للسعي نحو الله الذي يمثل الغاية الخالدة المنطقية الوحيدة في عالم يحيطه العدم، وهو الذي يبرر سعينا الحثيث على الطريق الصاعد نحو سمو ونبل المقاصد.

 



[1] . بول لانجفان (بالفرنسية: Paul Langevin)‏ ـ (ولد في باريس في 23 يناير 1872 وتوفي فيها في 19 ديسمبر 1946) هو عالم فيزياء فرنسي يرجع إليه الفضل في وضع "ديناميكيات لانجفان" و"معادلة لانجفان" التفاضلية.

[2] . خطاب ألقاه بول لانجفان يوم 10 يونية 1945 بمناسبة افتتاح دائرة معارف النهضة الفرنسية - جُمع في كتاب (الفكر والفعل) ص 170 طبعة (الناشرون الفرنسيون المتحدون)، 1950.

[3] . ادموند هوسرل: أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا (فلسفة الظواهريات) الترنسدنتالية.

[4] . المادية الآلية: هي فلسفة بدأت في الظهور بين القرنين السادس والسابع عشر للميلاد، كان السبب وراء ظهورها الحقائق التي تم اكتشافها مثل الميكانيكية التي تخضع لها الدورة الدموية وتظهر القلب كمضخة للدم لا أكثر، أو قوانين الجاذبية التي تخضع لها الكواكب والنجوم والتي نزعت عن هذه الأجسام السماوية الأساطير القدسية التي كانت تحيط بها، بكلمات أخرى فقد بدا كل شيء بما في ذلك الإنسان خاضعا إلى حقائق طبيعية أو واقعية.

[5] . المثالية المتعالية أو المتسامية ل (إيمانويل كانت): ترى أن العالم المادي هو نتاج فكري محض، يقول كانت: إن المثالية المتعالية تعتبر الظواهر تمثّلات ذهنية وليست أشياء بذاتها، لأن معرفة الأشياء بذاتها أمر غير ممكن.

[6] . رينيه ديكارت (بالفرنسية: René Descartes)‏ (1596 –1650)، فيلسوف، وعالم رياضي وفيزيائي فرنسي، يلقب بـ "أبو الفلسفة الحديثة"، كانت الكثير من الأطروحات الفلسفية الغربية التي جاءت بعده، انعكاسات لأطروحاته، وما زالت تدرس حتى اليوم، خصوصًا كتاب (تأملات في الفلسفة الأولى-1641م) الذي ما زال يشكل النص القياسي لمعظم كليات الفلسفة. كما أن لديكارت تأثير واضح في علم الرياضيات، فقد اخترع نظامًا رياضيًا سمي باسمه وهو (نظام الإحداثيات الديكارتية)، الذي شكل النواة الأولى لـ(الهندسة التحليلية)، فكان بذلك من الشخصيات الرئيسية في تاريخ الثورة العلمية. وديكارت هو الشخصية الرئيسية لمذهب العقلانية في القرن 17 الميلادي، كما كان ضليعًا في علم الرياضيات، فضلًا عن الفلسفة، وأسهم إسهامًا كبيرًا في هذه العلوم، وديكارت هو صاحب المقولة الشهيرة التي تدعى الكوجيتو: "أنا أفكر، إذًا أنا موجود"

[7] . إيمانويل ليفيناس: ‏ فيلسوف فرنسي ساهم في التّعريف بفينومينولوجيا هوسّرل في فرنسا. درّس الفلسفة بجامعة بواتياي سنة 1964 ثمّ انتقل بعد ذلك إلى جامعة نانتار 1967 وأخيرا إلى السّوربون عام 1973.

 

[8] . ليفيناس: في اكتشاف الوجود، ص35

[9] . مارتن هايدغر: ‏ فيلسُوف أَلَمَّانِي، درس في جامعة فرايبورغ تحت إشراف إدموند هوسرل مؤسس الظاهريات، ثم أصبح أستاذاً فيها عام 1928. وجه اهتمامه الفلسفي إلى مشكلات الوجود والتقنية والحرية والحقيقة وغيرها من المسائل.

[10] . كارل تيودور ياسبرس ‏ هوبروفيسور في الطب النفسي وأحد فلاسفة ألمانيا المعدودين في القرن العشرين. ولد في أولدنبورغ بألمانيا، 23 فبراير 1883. وإذا كان اسم زميلهِ هايدغر قد غطَّى عليه إلى حد ما، إلا أن المتخصصين في تاريخ الفلسفة يعرفون قدرهُ وأهميتهُ

[11] . جان بول سارتر: الوجودية فلسفة إنسانية، ص 34 و35 و36.

[12] . سورين كيركغارد (باللغة الدنماركية: Søren Kierkegaard)؛ هو فيلسوف دنماركي، ولاهوتي، وشاعر، وناقد اجتماعي، ومؤلف ديني، ويُعتبر على نطاق واسع أول فيلسوف وجودي ...

[13] . كيركجورد: حاشية على فضلات فلسفية، ص268.

[14] . كامي ألبير: أسطورة سيزيب، ص 60

[15] . سارتر، الغثيان، ص24

[16] . سارتر، الغثيان، ص22

[17] . سارتر، الغثيان، ص 164

[18] .  سارتر، الوجود والعدم، ص 558.

[19] . سارتر، الوجود والعدم، ص 17.

[20] .  سارتر، الوجود والعدم، ص 11.

[21] . المرجع السابق، ص 28.

[22] . المرجع السابق، ص 33.

[23] . المرجع السابق، ص 34.

[24] . تقويم الجمعية الفرنسية للفلسفة عام 1937.

[25] . جان فال: مقال من كتاب "الحركات الفلسفية المعاصرة" نشرة مارمن فاربر، ج2، ص 37.

[26] . هربرت سبنسر (بالإنجليزية: Herbert Spencer)‏ هو فيلسوف بريطاني (1820 - 1903). مؤلف كتاب " الرجل ضد الدولة" الذي قدم فيه رؤية فلسفية متطرفة في ليبراليتها. كان سبنسر، وليس داروين، هو الذي اوجد مصطلح "البقاء للأصلح ". رغم أن القول ينسب عادة لداروين. وقد ساهم سبنسر في ترسيخ مفهوم الارتقاء، واعطى له أبعادا اجتماعيا، فيما عرف لاحقا ب الدارونية الاجتماعية. وهكذا يعد سبنسر واحدا من مؤسسي علم الاجتماع الحديث إذ يعتبر الأب الثاني لعلم الاجتماع بعد أوجست كونت الفرنسي.

 

[27] . وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج-40).

[28] . موريس بلونديل (1861-1949) فيلسوف فرنسي، تهدف أشهر أعماله، إلى تأسيس العلاقة الصحيحة بين العقل الفلسفي المستقل والمعتقد المسيحي (موافقة العقل للنقل).

[29] . موريس بلوندل: الفعل-الطبعة الحديثة، ج1، ص 77.

[30] . موريس بلونديل: الفعل - الطبعة القديمة، ألكان، ص344.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما قاله أعلام علماء المسلمين عن كروية الأرض و شكل الكون

أمثولة الكهف؛ قصة الحقيقة و الوهم

ظلمات البحر اللُّجي