البحث عن الحقيقة
إلى جانب الأدوات الحجرية المصقولة التي تدل على محاولات الإنسان الأولى لتحسين أساليب صيده وتوفير مصادر غذائه، فقد وجدت شواهد تشير إلى بوادر دينية تدل على أن الإنسان، بعكس الكائنات الحية الأخرى كان متدينا منذ أن بدأ حياته العاقلة على سطح الأرض، وما زال التدين وحب المعرفة واتقان صنع الآلات المفيدة وابتكار التقنيات الجديدة من الظواهر التي تفرّد بها الإنسان منذ فجر تاريخه وحتى يومنا هذا.
إن علماء اليوم بعكس
علماء الأمس ينظرون نظرة أكثر تواضعا إلى علاقة الفكر العلمي بالفكر الديني؛ يقول
العالم الفيزيائي روبرت أوبنهايمر أحد أهم المشاركين في صناعة القنبلة الذرية:
"إن ما أدت إليه
مكتشفاتنا في عالم الفيزياء النووية من مفاهيم وافكار حول طبيعة الأشياء ليست
جديدة تماما، فإضافة إلى كون هذه الأفكار ذات تاريخ في حضارتنا الغربية، فإنها
تتمتع بمكانة مركزية وهامة في الفكر البوذي والهندوسي، ولعلنا نستطيع القول بأن
الأفكار الجديدة عبارة عن وثيقة مصدقة عن الحكمة القديمة ونسخة مشذبه عنها".[1]
ويقول نيلز بوهر أحد
أهم مؤسسي ميكانيك الكم:
"إذا شئنا العثور
على درس موازٍ للدرس الذي تعطينا إياه الفيزياء النووية، علينا أن نلتفت إلى
المشكلات المعرفية التي واجهها مفكرون مثل بوذا ولاوتسي، والتي تضعنا كمتفرجين وممثلين
في دراما الوجود الكبرى".[2]
أما العالم فيرنر هايزنبرغ
صاحب التفسير الكمومي لحركة الإلكترون، فيقول:
" إن الإسهام
العظيم الذي قدمته اليابان مثلا في الفيزياء النووية بعد الحرب العالمية الأخيرة
يمكن أن يعتبر دليلا على وجود قرابة بين الأفكار التقليدية في الشرق الأقصى وبين
الجوهر الفلسفي لنظرية الكم" [3]
وهكذا نجد الإنسان وقد
سلك في بحثه عن الحقيقة طرائق شتى؛ فالعلم يتخذ من العقل والملاحظة والتجربة
مرشداً وسبيلاً، والفلسفة تتخذ من العقل والمنطق نبراسا ينير لها طريق المعرفة ويوضح
علاقة الإنسان بالكون ومعنى الوجود، أما الدين فيسترشد بالإلهام والوحي في مقاربته
لحقائق الوجود الأزلية الخالدة.
لقد اقتصر العلم في
بحثه على العلاقات المقننة بين الظواهر الطبيعية محاولا وصفها وتكميمها بعلاقات
رياضية، ليجيب عن سؤالنا (كيف؟)، أي كيف تتجاذب الكتل المادية في الفراغ مثلا، وما
هي العلاقة الرياضية التي تربط بين كتلتين متجاذبتين، لكن العلم لا يجيب عن الشق
الآخر الهام الباحث عن المعرفة، وهو (لماذا؟)، أي لماذا تتجاذب الكتل المادية
الضخمة كالنجوم والكواكب مع بعضها، مع أن العلم ينتقل في خطوة لاحقة إلى التجربة
ليتيقن من صحة ما يصل إليه من نتائج. وبما أن التجربة لا يمكن أن تطال سوى العالم
المحسوس، فالمعرفة العلمية تقتصر على المواضيع الحسية وحسب.
تتصدى الفلسفة للإجابة
على جميع الأسئلة الوجودية المحيّرة وتفسير أغلب الظواهر تفسيرا عقليا، ليتمكن الإنسان
من تحديد موقعه من الوجود، مثلها في ذلك مثل البوصلة التي تساعد ربان سفينة
تتقاذفها الأمواج على تحديد موقعه في أعالي البحار.
يتوزع موضوع الفلسفة عموما
على ثلاثة مباحث هي: مبحث المعرفة ويتناول: مصادر المعرفة، وموضوعاتها، وأهدافها،
ودرجة اليقين في مقاربتها للحقيقة ...
ومبحث الوجود: ويدور حول: علة الوجود والعالم، هل هو قديم
لا بداية له، وبالتالي فلن تكون له نهاية، أم أنه حادث بدأ في لحظة من الدهر وسينتهي
بالتالي يوما ما كما بدأ، وكيف ومتى ستكون هذه النهاية؟ ...
ومبحث القيم والأخلاق:
ويناقش قضايا السلوك والعلاقات والأخلاق الإنسانية.
بالإضافة إلى هذه المباحث
الرئيسية هناك مباحث فرعية أخرى: منها على سبيل المثال: فلسفة الجمال: وتدور
حول البحث عن حقيقة الجمال، وفلسفة القانون: وتبحث في ماهية القوانين
وعدالتها.
يتصدى الدين
من جهة أخرى للإجابة على أسئلة الوجود الكبرى، مثله في ذلك مثل الفلسفة، ويتقاطع مع
الفلسفة في أن كليهما يقدمان نظرة شاملة ومفهوما متكاملا عن العالم. لقد كثرت التعاريف
التي تحاول وضع مفهوم شامل متكامل للدين، فالتعريف المسبق ضروري من أجل تحديد وتوضيح
مجال الدراسة، لكن التعريف قد يقود إلى سبل مضللة إذا لم يشمل تجليات الظاهرة الدينية
عبر التاريخ ولدى مختلف الجماعات البشرية، ولعل أهم تعريف للدين هوما جاء به رودولف
أوتو (1937-1869) وهو لاهوتي ألماني وباحث في تاريخ وظواهر الدين، فهو يبدأ تعريف الدين
بأنه وعي بالمقدس مغروس في فطرة النفس الإنسانية، لكن القدسي فقد معناه بمرور الزمن
وتحول إلى جملة من التشريعات الأخلاقية والتقوى السلوكية. أما الحالة الأصلية للوعي
بالقدسي فتجربة انفعالية غير عقلية هي أساس الدين، وتنضوي هذه التجربة على لقاء مع
قوى لا تنتمي إلى هذا العالم بل تتحكم فيه، تعطي هذه التجربة الإنسان إحساسا مزدوجا
بالخوف والانجذاب في آن معا، إنها تجربة مع الآخر المختلف تماما يتعذر وصفها بالكلمات
والمصطلحات، وإن الانقياد إيجابيا لهذه التجربة فكرا وعملا هو الدين. يطلق أوتو على معرفة الآخر (أو الله) تعبير
الإحساس النيوميني (Numinous)
وقد نحته من الكلمة اللاتينية التي تعني التجلي كما تعني القوة والإرادة، وهو يرى أن
هذا العنصر الألوهي هو حالة فطرية للوعي، وهي مشتركة بين جميع التجارب الدينية، قديمها
وحديثها.
لقد جاء منهج أوتو
حيادياً محايثاً أو نفسياً ظواهريأ يصف التصاق الدين بالوعي الإنساني ورد الفعل الإنساني
على هذه الخبرة، موضحا أن لا جدوى من المقاربات العقلية في دراسة الدين، فهو جزء لا
يتجزأ من الطبيعة الإنسانية، صاحَبَها منذ بدء الخليقة، ومهما تعددت التعبيرات الظاهرية
للدين عبر الزمن، فإن التكوين النفسي الذي يجعل الدين ملازماً للإنسان ثابت لا يتغير.
إن الدين ليس مرحلة منقضية
من الفكر الإنساني بل هو صفة ملتصقة وملازمة للإنسان العاقل منذ ظهوره على سطح الأرض،
وما زال حيا ومؤثرا بطريقة عميقة لا يمكن تجاهلها في حياة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية.
يختلف الدين عن الفلسفة
في مناهج بحثه، ويمكن تلخيص ذلك كما يلي:
1. طريقة الوصول إلى الحقيقة والمعرفة تكون في
الدين عن طريق وحي خارج عن الطبيعة، قد يكون ذاتيا مثل الرؤى الصوفية التي تتمثل بوحي
مفاجئ يتجلى للإنسان عندما يكون في أقصى حالاته الإشراقية فتصله بجوهر وحقيقة
الوجود كما يتخيلها، أو خارجيا كالوحي الذي هبط على الأنبياء بطريقة أو بأخرى. في
حين ترتكز الفلسفة على التأمل في العالم والطبيعة والمجتمع ودراستها ومن ثم استخلاص
الأفكار والنتائج من هذا التأمل والدراسة.
2. الحقيقة في الدين مطلقة ونهائية بسبب اتصال
أسبابها بالإلهام الإلهي والوحي المباشر في حين أنها نسبية تقبل النقاش والتعديل في
جميع المذاهب الفلسفية، ونادرا ما نجد نظاما فلسفيا لم يخضع للتعديل، بل لعل بعض المذاهب
قد جُدّد بالكامل كما يدل اسم المذاهب المحدّثة التالية: الأفلاطونية الحديثة والوجودية
الهيغلية الجديدة، وذلك بناء على تطور مصادر المعرفة التي تستقي منها الفلسفة أسسها:
كالعلم الطبيعي وتطور التاريخ والمجتمع.
3. ما نجده في الفلسفة من إمكانية التجديد والتطوير
باعتبارها ناتج إنساني يقبل الصحة والخطأ يقابله في الدين مبادئ مطلقة بالنسبة
لأصول العقيدة بينما تجيز البحث أحيانا في ما دون ذلك، وان كان بعض المتشددين في
الدين ينغلقون على كل فكرة أو بحث جديد، ويعتبرون البحث والتجديد في أي فكرة
توارثوها عن السلف بدعة أو ضلالة تودي بصاحبها إلى الجحيم، على مبدأ: "كل بدعة
ضلالة و كل ضلالة في النار"، هذا الفهم المستغلق يؤدي إلى إشكالية كبرى في معالجة
الخطاب الديني، نتيجة الخلط بين الثابت والمتحول: بين روح الدين التي تدعو للسعي إلى
الكمال المطلق ... إلى الله، وبين شؤون الدولة والمجتمع التي تتطور وتتغير باستمرار
فلا يمكن تحجيمها في أطر ثابتة لأن الحركة والتطور من طبيعة التاريخ. هذه الإشكالية أدت ومازالت تؤدي إلى كثير من التزمت
والتقوقع حول رماد الأجداد، وقراءة النص المقدس بعيون الموتى، لقد أدت إلى فصام نكد
بين العلم والدين في أوروبا والى فصام أكبر بين المجتمعات الإسلامية المعاصرة والحضارة
العالمية، إنها تطالبنا أن نغرز أقدامنا في بيئة تجاوزها الزمن بأربعة عشر قرنا
مثلا بالنسبة لبعض المسلمين الأصوليين المندهشين في الوقت نفسه بمنجزات الحضارة المبهرة
دون أن يشاركوا في صنعها، تاركين الباب مفتوحا على مصراعيه لكثير من الأساطير والخرافات
كي تغزو عقر ديارهم، محاربين العقل ومكفرين العقلاء بكل ما أوتوا من قوة.
إن العودة بالفكر الديني
إلى ينبوعه الصافي يستدعي تطهير جميع الشوائب واللصاقات التي ألحقت به لأسباب سياسية
أو مذهبية.
4. الدين يُخضِع الفرد والمجتمع إلى قيود صارمة
مقابل الثواب على الإحسان والتقيد بتعاليم الدين وأوامره ونواهيه، والعقاب في حال تملص
الفرد والمجتمع من القيد الأخلاقي والمسؤولية التي يلقيها الدين على عاتقهما. تبدأ
سياسة العقاب هذه في الدنيا بتطبيق حدود الشريعة (القصاص)على المذنبين والعصاة وتمتد
إلى ما بعد الموت في جهنم، مع ترك باب التوبة مفتوحا لمن يريدها ويسعى إليها، أما الثواب
المجزي فينتظر المؤمنين في عالم آخر غير دنيانا هذه، وعلى المؤمن أن يتخلى عن شهواته
وان يضحي بكل غال ونفيس حتى نفسه، ليلقى ربه وهو راض عنه في الآخرة ويجزيه لقاء ذلك
أحسن الجزاء. يؤسس الدين لمحكمة ذاتية في ضمير الإنسان قبل محكمة الأرض والسماء، إنها
محكمة الضمير:
"بل الإنسان على نفسه
بصيرة، ولو ألقى معاذيره"[4]
"وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً
فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي
الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُو يجَازِيكَ عَلاَنِيَةً"[5]
نجد محاولة لإنشاء مثل
هذه المحكمة الداخلية لدى المفكر الروسي المرموق (دوستويفسكي) في روايته "الجريمة
والعقاب": فكرة الرواية الرئيسية هي المقال الذي كتبة بطل الرواية عن الفرق بين
الأشخاص "العاديين" وغير "العاديين"، تبدأ القصة بشخصية (روديون
راسكولينكوف) الشاب والطالب الجامعي السابق، القابع في العوز، والذي تسول له نفسه تحت
تأثير فقره وصراعه الداخلي قتل المرابية العجوز (إيفانوفنا) وسرقة أموالها بهدف التحرر
من قيود الفقر الذي يكبله وأسرته، مقتدياً بما قام به نابليون بونابرت من مذابح في
أوروبا أدخلته التاريخ من أوسع أبوابه بدلا من أن يلقى الجزاء العادل على جرائمه. وما
أن يقتل العجوز، حتى يدخل في صراع ومعاناة نفسية تفكك مبرراته الأولية تباعا وتدخله
في متاهات عقلية وجسدية تدفعه أخيراً بحكم من محكمة ضميره إلى تسليم نفسه للسلطات كي
تقتص منه بنفيه إلى سيبيريا.
يحاول المؤلف من خلال
تصوير النزاع الداخلي الذي يساور نفس بطل الرواية ربط الظروف الاجتماعية التي قد تدفع
الشخص لارتكاب الجريمة بالحسابات المعقدة التي تتماهى داخل فلسفة العقل البشري. لكن
وازع الأخلاق والضمير لا يمكن أن تكون له القوة نفسها التي للدين مهما بلغ من قوة،
فهل سمعنا عن سفاح أو مجرم سلم نفسه إلى العدالة بوازع من الضمير؟
5. الدين يعتبر الدنيا نفق عبور إلى الآخرة التي
هي الحياة حقا، فلا يعطي الدنيا الأهمية الأولى إلا بالقدر الذي يوفر للإنسان حياة
كريمة تعينه على الوصول إلى الغاية التي خلق من أجلها في عبادة الله والامتثال
لأوامره:
"وَمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ" [6]
اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا
فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ
وَلاَ يَسْرِقُونَ، 21لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا"[7]
"مالي وللدنيا، ما
أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها"[8]
6. يتجه الخطاب الديني إلى الناس كافة: الصغير
والكبير، العالم والجاهل، الحكيم والعامِي، المرأة والرجل، الأبيض والأسود والأصفر،
الضال قبل المؤمن ... فيتحدث بالمنطق الذي يفهمه كل هؤلاء، ليبقي التاريخ متوازنا ومتطورا
من خلال سعيه إلى الله، بينما يتجه الخطاب الفلسفي إلى نخبة من المثقفين والمختصين،
ونظرا لأن معظم البشر ليسوا من الفلاسفة، لا يجد الخطاب الفلسفي عادة صداه لدى شريحة
واسعة من الناس بعكس الدين تماماً.
7. بسبب جميع ما ورد أعلاه فإن الخطاب الديني
يتسم بصفة الديمومة عبر العصور في حين يقبع الخطاب الفلسفي في مكتبات الفكر والأدب
ليقتصر على الدراسات الأدبية والإنسانية غالبا دون أن يكون له أثر واضح أو مستدام في
حياة الإنسان والمجتمع.
مع ذلك، فإن الفلسفة
أو (حب الحكمة) من أرقى إبداعات العقل الإنساني عموما وهي طريق العقل المجرد للوصول
إلى حقيقة العالم فيمكن والحالة هذه تشبيه الدين بقطار كهربائي يستمد طاقته من أسلاك
الكهرباء المعلقة فوقه، وتشبيه الفلسفة بقطار يعمل على الفحم مستمدا طاقته من داخله،
لكنهما كليهما يسعيان نحو هدف الرحلة نفسه وهو هدف الحياة، فإذا تطابق العقل مع الوحي
(وهذا ما يجب أن يكون) فإنهما سيلتقيان في المحطة الأخيرة ...
ينقسم الخطاب الفلسفي إلى
اتجاهين، أحدهما مثالي يقول بأن الوعي يسبق الوجود، والآخر مادي يعتبر المادة أصل
العالم وأن الإنسان ظاهرة طبيعية تمكن دراستها كأية ظاهرة طبيعية أخرى، كالمغناطيس
والجاذبية مثلا ولا يؤمن أساسا بغير المادة.
أهم من يمثل الاتجاه
المثالي:
- (أرسطو): ولد في
(أسطا غيرا) شمال أثينا عام 384 ق.م، يعتقد أرسطو بوجود عناية إلهية تتوافق مع
الأسباب الطبيعية، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا يمكن وصفه بصفات البشر، نعم هناك
إله، لكنه ليس ذلك الإله الذي يتصوره العقل الساذج على شكل إنسان بهالات
قدسية، إنه أبدي لا يخلق العالم لأن العالم أبدي أيضا بل يحركه. يُعتبر أرسطو
واحدًا من أهم الشخصيات التي وضعت الأسس الأولى للفلسفة الغربية، فقد كان أول
من أنشأ نظامًا شاملاً للفلسفة الغربية يشمل الأخلاق وعلم الجمال والمنطق والعلم
الطبيعي والسياسة والميتافيزيقا (أي ما وراء الطبيعة) ومواضيع أخرى.
- جورج فيلهلم فريدريش
هيجل (Georg
Wilhelm Friedrich Hegel) (1770 —1831)، أحد أهم الفلاسفة الألمان، ويعتبر من
أهم مؤسسي الفلسفة المثالية. طوّر المنهج الجدلي الذي بين من خلاله أن سير التاريخ
والأفكار يتم بوجود المسألة ثم نقيضها ثم التفاعل بينهما لإنتاج الأفكار
الجديدة التي تحرك التاريخ. كان لفلسفة هيجل أثر عميق على معظم الفلسفات المعاصرة.
تقوم فلسفة هيجل على اعتبار الوعي سابقاً للمادة، بعكس النظرية الماركسية التي
تعتبر أن المادة سابقة للوعي وان المادة هي التي تحدد مدارك الوعي. استعمل هيجل
مفهوم "الوعي" لتأسيس فلسفة شمولية للتاريخ الذي هو المنتج الأهم للعقل
الإنساني، وبناء على ذلك فإن تاريخ العالم -من وجهة نظر هيجل- هو صراع من جانب
الروح لتصل إلى مرحلة الوعي الذاتي وهي المرحلة التي تكون فيها حرة عندما تسيطر
على العالم. وقد وضح هيجل نظريته في فلسفة التاريخ في كتابه: "محاضرات في
فلسفة التاريخ" الذي جُمع ونُشر بعد وفاته.
- جان بول سارتر (بالفرنسية:
Jean-Paul
Sartre)
(1905 - 1980) هو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي وسيناريو وناقد أدبي وناشط سياسي
فرنسي، لعله أهم من يمثل التيار الفلسفي الهام الذي ظهر بقوة بين الحربين
العالميتين والمسمى بالوجودية.
لا يؤمن سارتر بالوجود
الذي تقول به المادية لأنه لا ينتج الوعي، ولا يؤمن بالوجود الذي تقول به المثالية
لأنه ليس من نواتج الوعي، وبين المادية والمثالية وجد سارتر مخرجا في ما أسماه ب
"البرهان الوجودي" والأمر عنده يتعلق بالبحث عن حقيقة سامية، لكنها بالنسبة
له ليست الله، بل العالم، ووجود هذا العالم (بدلا من الله) يصبح حقيقة لا قبل للشك
فيها منذ اللحظة التي يصبح فيها الوعي عاجزا عن الاستمرار في الوجود إلا إذا ارتبط
بوجود غيره، فالوعي لا يمكن أن يوجد إلا بالقياس إلى وجود سامي، أو كما يقول:
"الوعي وعي بشيء؛ وهذا يعني أن التعالي (التسامي) هو أحد العناصر المكونة للوعي"
، ذلك أن الوعي هو ذلك الحدس الذي يوحي بوجود شيء يختلف عنه لا يمكن للوعي بدونه أن
يظهر إلى الوجود، فالوعي لا يوجد ويتحدد كيانه إلا بوجود ما يعوزه وهو الوجود عند سارتر.
أما أعلام الفلسفة
المادية بدون منازع، فهم:
1. (كارل ماركس: 1818-
1883): كان ماركس أحد رواد حلقات عصبة الهيغلية (نسبة إلى هيجل) ثم انشق عنها مؤلفا
فلسفته الخاصة به. وبينما تقوم فلسفة هيجل المثالية على اعتبار أن الوعي سابق للمادة
فإن النظرية الماركسية تقوم على اعتبار أن المادة سابقة للوعي وبالتالي يتطور الوعي
بتطور المادة المحيطة بالإنسان. لقد استلهم ماركس فكرته عن صراع الطبقات من هيجل معتبرا
أن الأوضاع المادية التي تؤدي إلى نشوء أضداد في المجتمع هي التي تحدد مسار التاريخ،
فاستغلال الرأسمالية الصناعية للطبقة العاملة أو (البروليتاريا) مثلا يؤدي إلى الصراع
بينهما وإنتاج الاشتراكية. لا تستطيع النظرية الماركسية بماديتها تفسير كل ما يدركه
الوعي لأنها تفترض بأن الوعي هو انعكاس كامل عن المادة ولكن إذا سألنا أنفسنا عن ماهية
المادة التي أعطت الوعي بعض المفاهيم المثالية كالحق والعدالة والرحمة فسنجد أن فاقد
الشيء لا يعطيه.
2. برتراند أرثر ويليام
راسل (بالإنجليزية: Bertrand Russell)
(1872 - 1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في مراحل مختلفة
من حياته، كان راسل ليبرالياً واشتراكياً وداعية سلام.
يعتقد راسل أن الإنسان
جزء ضئيل من الطبيعة، وان أفكاره تحددها العمليات التي يقوم بها الدماغ، فهي إذن
محكومة بقوانين الطبيعة، أما العلم وهو المصدر الوحيد لمعرفتنا بالطبيعة فإنه لا
يقدم أي تأييد للاعتقاد في الألوهية أو في خلود النفس، وعقيدة الخلود عقيدة سخيفة في
رأيه وغير معقولة لأنه لو كانت النفوس خالدة لملأت المكان، والدين عند راسل يقوم
على الخوف، وبالتالي فهو شر وعدو للطيبة والذوق في العالم الحديث، لكنه مازال
مهيمنا على المجتمعات التي لم تبلغ نضجها بعد.
لكن إذا كان مكان
الإنسان في نظام الوجود محصورا في جزء غير ذي أهمية من الطبيعة، فإن مكانه في عالم
القيم أهم من ذلك بكثير، إن الإنسان قادر على تكوين مثل أعلى للحياة هو مثال
للحياة الطيبة التي يقودها ويرعاها الحب وتسير بقيادة المعرفة، وهذا هو الأساس
لقيام الأخلاق برأيه.
العلم، بأدواته وأساليبه التجريبية، يوفر لنا فهمًا
دقيقًا وموضوعيًا للعالم المادي. إنه يكشف لنا عن قوانين الطبيعة ويتيح لنا التنبؤ
بالأحداث وتطوير التكنولوجيا التي تحسن من جودة حياتنا. ومع ذلك، فإن العلم وحده
قد يكون قاصرًا عن الإجابة على الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهدف والمعنى من الوجود.
هنا تأتي الفلسفة لتملأ هذا الفراغ، حيث تتناول الأسئلة الوجودية والأخلاقية
والمعرفية التي تتجاوز نطاق العلم.
الفلسفة، بأساليبها التأملية والنقدية، تساعدنا على
التفكير في الأسئلة العميقة المتعلقة بالوجود والغاية والأخلاق. إنها تدعونا
للتفكير فيما يعنيه أن نكون بشرًا، وما هي القيم التي يجب أن نعيش بها، وكيف
يمكننا تحقيق حياة ذات معنى. ولكن الفلسفة وحدها قد تكون بعيدة عن الواقع العملي
واحتياجات العالم المادي.
لذلك، فإن التكامل بين العلم والفلسفة هو السبيل الأمثل
للوصول إلى الحقيقة. ولا بد لهذا التكامل أن يأخذ في الاعتبار الحاجة الفطرية
الدينية للإنسان للمعرفة والفهم، ويجمع بين الدقة والموضوعية العلمية والتأمل
الفلسفي العميق. إنه يتيح لنا فهمًا شاملاً للعالم ولأنفسنا، ويمنحنا الأدوات
اللازمة لتحقيق حياة ذات معنى وغاية.
منذ أن وجد الإنسان على سطح الأرض، كانت لديه حاجة فطرية
دينية للبحث عن الحقيقة. هذه الحاجة ليست مجرد رغبة في المعرفة، بل هي جزء من
طبيعتنا الإنسانية. إنها تدفعنا للاستكشاف والاكتشاف والتفكير والتأمل في معنى
الوجود. ومن خلال تكامل أساليب البحث عن الحقيقة، يمكننا تلبية هذه الحاجة الفطرية
والوصول إلى فهم أعمق وأشمل للعالم ولأنفسنا.
يلخص كل ذلك قوله
تعالى: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى
يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" فصلت – 53
تعليقات
إرسال تعليق