رحلة في رحاب دين الإنسان
"توقفنا بين خرائب القصر القديم قرب عمود مربع من الجص المصقول على قمته نقشت الفأس ذات الحدين وهي العلامة المقدسة لإحدى الحضارات القديمة: ضم الأب كفيه وحنى ركبتيه لحظة ثم حرك شفتيه وكأنه يصلي، استغربت وسألته: ماذا، أتصلي؟ فقال: طبعا يا صديقي الشاب كل شعب وكل عصر يمنحه الله قِناعاً خاصاً به، ولكن وراء الأقنعة كلها في كل عصر وفي كل عرق يبقى الله هو ذاته، الله الدائم الذي لا يتغير. لدينا الصليب شارة مقدسة لنا، واجدادك الأقدمون في كريت كان لهم الفأس ذات الحدين، لكنني استبعد هذه الرموز الفانية واتحسس الله وراء الصليب ووراء الفأس ذات الحدين، أتحسسه وانحني له احتراما".[1]
كتب غاندي: "إذا جاءني مسيحي وقال لي بأنه تحمس عند قراءة (البهاغافاد
غيتا) [2]
وانه يريد أن يعتنق الهندوسية أجبت: إن التوراة تستطيع أن تمدك تماما بما يمدك به (البهاغافاد
غيتا) ولكنك لم تحاول أن تكتشف ذلك حقا، قم بهذا الجهد وكن مسيحيا حقا"
وفي القرآن الكريم: (42: 13-14)
شرع لكم من
الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن
أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من
يشاء ويهدي إليه من ينيب* ومَا تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا
كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي
شك منه مريب
إذا فالدين واحد، وما تفرق الناس في الدين إلا نتيجة البغي والاستعلاء
بينهم والسعي لاستئثار فئة بموارد الأرض وامكاناتها لنفسها حصرا دون الآخرين.
تدور البنى الرئيسية لديانات الحضارات الكبرى حول محور واحد هو الإنسان وموقعه
بالنسبة لما وراء عالمنا المادي المحسوس نحو الأعلى أو نحو الوجود السامي أو الله
من جهة، ونحو الأسفل أي نحو الطبيعة والمجتمع، ليصبح الإنسان وسيطا بين عالمي الغيب
والشهادة.
لقد استعملت الأديان جميعا القصة والرمز للتعريف بالعالم الموضوعي، وقصة
الخلق، وكيف يدور الصراع بين قوى الخير والشر في حراك جدلي مستمر وسعي نحو الكمال
المطلق.
ليس المقصود بالقصص والمرويات الدينية حرفيتها بقدر مضمونها وعبرتها، وان
كنا نلمس تشابها كبيرا بين المرويات الدينية والاكتشافات العلمية الحديثة، فجميع
الأديان ترى مثلا أن الماء هو أصل الحياة، وهذا ما يراه العلم في القرن الحادي
والعشرين أيضا إذ ما فتئت مركبات الفضاء والمراصد والمسابر تبحث عن الماء على
الكواكب البعيدة لتستدل من خلاله، على وجود الحياة.
وقد جاء في القرآن الكريم:
"وَهُو الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا"-هود/7.
وفي التوراة - سفر التكوين:
"في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى
وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه"- تكوين 1
وفي إحدى الأحافير البابلية:
"في تلك الأيام لم يكن سوى المياه"
نجد أن جميع ما وصلنا عن بداية الخلق يتفق على أن البداية كانت حالة يسود
فيها الغمر المائي ويرفرف فوقها عرش الله أو روحه أو قدرته، ثم وفي لحظة بدأت
الحياة بأمر من الله بالتشكل لتظهر من العماء إلى الوجود كما نعرفه الآن.
بعد أن أخذ الكون شكله واستقرت الأرض في موضعها وانتظمت دورة الليل والنهار
وحركة الفصول، وبعد أن أخرجت الأرض زرعها وشجرها وتفجرت ينابيعها وظهرت الحيوانات
بأنواعها وامتلأت البحار بأسماكها، بعد ذلك صار المسرح مهيئا لظهور الإنسان.
وقد خطت الحكاية السومرية فكرة خلق الإنسان من طين وتصويره في أحسن تقويم
ليكون خليفة الآلهة[3]على
الأرض.
تظهر عناصر القصة السومرية هذه لدى الشعوب المجاورة أيضاً، ففي قصص
البابليين اللاحقة يتم خلق الإنسان من طين، وفي سفر التكوين العبراني، يقوم الإله
يهوه بخلق الإنسان من طين بعد انتهائه من خلق العالم ويجعله على شاكلته:
"وجبل الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة الحياة، فصار آدم
نفسا حية"[4]
،
ثم نجد الفكرة نفسها تتكرر في مصر الفرعونية ولدى الإغريق.
لا يقتصر تكرار فكرة خلق الإنسان من طين على شعوب الشرق الأوسط بل نجدها في
حكايات الشعوب البدائية، تقول إحدى قصص الخلق الإفريقية:[5]
"إن الإله الخالق قد أخذ حفنة من طين شكلها على هيئة إنسان، ثم تركها
في بركة مليئة بماء البحر مدة سبعة أيام، وفي اليوم الثامن رفعها فكانت بشرا
سويا"
وفي أسطورة من الفيليبين[6]
يقوم الإله الخالق بجبل حفنة من الطين على هيئة إنسان ويضعها في الفرن، ولكنه يسهو
عنها فتسوَد، وهذا أصل الإنسان الأسود، ثم يصنع أخرى ويخرجها قبل أوانها، فهذا هو
أصل الإنسان الأبيض، وفي المرة الثالثة يأخذ الطين كفايته من النار، فيخرج الإنسان
الفيليبيني ذو اللون البرونزي. وحتى في قصة الخلق الهندية في القارة الأميركية
التي تقبع في العالم القديم وراء البحار نجد أيضا التكوين الطيني ونفخة الحياة
التي تهب الشكل الجامد روحه وحركته.
الملفت للنظر حقا أن العلم الحديث يثبت تكوين جسم الإنسان من ماء بنسبة
غالبة و كمية من معادن أو تراب الأرض (أي الطين)، فقد أثبت العلماء أنّ الماء يشكّل
ما بين 65-90% من وزن جسم الإنسان، ويحوي جسم الإنسان أيضاً على نسب عالية من عناصر
أخرى وهي الكربون الذي تتكوّن منه جميع المواد العضويّة، والنّيتروجين، والكالسيوم،
والفسفور، ويمكننا تخيّل وفرة العناصر السّابقة في جسم الإنسان إذا علمنا أنّها تشكّل
99% من كتلة جسم الإنسان، أما الـ 1% الباقيّة فهي تتكوّن من العناصر التي توجد بنسب
قليلة في قشرة الأرض، ومنها البوتاسيوم، والصّوديوم، والكلور، والمغنيسيوم، والكبريت،
والحديد[7].
كذلك تتفق جميع الأديان قديمها وحديثها على أن السلالة البشرية بدأت من ذكر
وانثى نفخت فيهما الذات العلية (أو الله) الروح التي تحمل في مضمونها معاني العلم
والمسؤولية والإرادة المستقلة التي تميز السلالة البشرية عن بقية الأحياء؛ فقد
عُثر على نص محفور على لوح شبه تالف في أنقاض مكتبة آشور بانيبال في نينوى[8]،
وأثارت السطور القليلة المتبقية من النص اهتماما كبيرا لإشارتها إلى خلق الزوجين
البشريين الأولين، فقد ورد فيها ما يلي:
"قام (أيا) بخلق زوجين شابين وأعلى من شأنهما فوق جميع المخلوقات".
قبل اكتشاف التراث البابلي بأجيال طويلة عرف العالم شيئا عن حكاية الخلق
البابلية من خلال نصين كُتبا باللغة اليونانية، الأول لآخر فلاسفة الأفلاطونية
الحديثة وهو (داماسكيوس) وتعني الدمشقي، وقد ولد في دمشق حوالي عام 480 بعد
الميلاد، وتحدث عن بعض الأساطير البابلية في كتابه الرئيسي: (صعوبات وحلول المبادئ
الأولى)[9] ، والنص اليوناني الثاني هو نص بيروسوس وقد عاش
خلال النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد وقام بكتابة تاريخ مملكة بابل
استنادا إلى الوثائق التي وصلت إليه من العصور القديمة، وقد اقتبس الكاتب ألكسندر
بوليستر الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد بعضا من كتاباته التي تظهر تطابقا
حرفيا أحيانا مع ما جاء في العهد القديم،[10]،
كبداية الخلق من الماء، وحالة السكون الأزلية، التي كانت تسود العالم والصراع
الكوني الذي انتهى بإحلال النظام الشامل و خلق السماوات والأرض والكواكب والنجوم
ثم خلق الحيوانات وتتويج كل ذلك بخلق الإنسان من طين كزوجين أولين ذكر وانثى تفرع
عنهما الجنس البشري بالكامل، وتذكرنا الجملة التالية من كتابات بيروسوس:
"ولكن الأرض كانت خربة و خالية" بما ورد في سفر التكوين من العهد
القديم: "و كانت الأرض خربة و خالية ..."[11]
سكن الكنعانيون سورية الشرقية والشريط الساحلي منذ مطلع التاريخ المكتوب
واشادوا مراكز حضارية حتى الفترات المتأخرة من ما قبل التاريخ، و كان للثقافة
الكنعانية أثرها على الثقافات السامية المجاورة و على الثقافة المصرية، بل لقد
امتد أثرها إلى أساس الثقافة اليونانية اللاحقة، يظهر ذلك في الأساطير اليونانية
التي تشير إلى التأثير الشرقي، كأسطورة قدموس، الإله الذي جاء من فينيقيا و علم
اليونانيين الكتابة، وأسطورة خطف الآلهة السورية (يوروبا)، التي أعطت اسمها للقارة
الأوروبية الجديدة، وقد أطلق اليونان على الكنعانيين اسم الفينيقيين.[12]
لقد وصلتنا الألواح الفخارية التي تم العثور عليها في أنقاض معبد بعل
بالثقافة الكنعانية دون وسيط، واثبتت بالدليل القاطع أن الكتابة المسمارية على تلك
الألواح كتابة أبجدية وأنها أول أبجدية كتبها الإنسان وتشكل أساس اللغات السامية.
أما اليهود الساميون، فقد عاشوا في مصر عيشة العبيد، و فروا منها استجابة
لدعوة موسى الذي تضاربت الآراء حوله، واكثر ما يلفت النظر من هذه الآراء أن موسى
كان مصري الأصل وليس عبرانيا[13]،
وأنه قائد عسكري من أتباع ديانة أتون وهي أول ديانة توحيدية معروفة تاريخيا، أسسها
الفرعون أخناتون، ولما هلك أخناتون، ودمّر كهنة الديانات الفرعونية الأخرى كل ما
بناه، تفرق أتباعه واهله، إلا أن موسى التابع المخلص لأخناتون أخذ على عاتقه
متابعة رسالة التوحيد، وقام باختيار اليهود مَثَله في ذلك مثل الأنبياء التوحيديين في اختيار الفئات المضطهدة
لأنهم وقود الدعوة إلى العدل والمساواة التي تنادي بها الأديان جميعا، وقادهم
مقابل اعتناقهم رسالته والخلاص من العبودية، ويبدو أن هذا الاختيار من قبل موسى
للعبرانيين هو الذي أعطاهم فكرة الشعب المختار لاحقا.
لو تفحصنا ديانة أخناتون لوجدناها لا تختلف في جوهرها عن الديانات السماوية
المتداولة بين أيدينا اليوم، فصلاة أخناتون ترسم صورة لمعتقد على درجة عالية من التجريد
عندما تصف الله بأنه قوة غير مشخصة وطاقة صافية تأبى التشكل في ملامح محددة وشخصية
مرسومة بل تتجلى في عالم الظواهر بقرص الشمس؛ إنها القدرة التي صدر عنها الكون بكل
أجزائه وتفاصيله وأشكال الحياة المنبثة فيه، يقوم معتقد أخناتون على الإيمان بإله واحد
للبشرية جمعاء، هو قدرة صافية لا تتخذ شكلا ما ولكنها تتبدى في عالم الظواهر بقرص الشمس
الذي يعطي الحياة والحركة لكل شيء ولجميع الأمم، من هنا، فإن الشعوب والأمم تتساوى
جميعا أمام آتون. تتميز الديانة الأخناتونية
بغياب الإشارات الميتولوجية، وجميع الأساطير التي تصاحب الديانات الأخرى، يتضح ذلك
من الصلوات الأخناتونية التي وصلتنا ومن قراءتنا لنصوص القبور التي تركها الأتباع المقربون
لأخناتون فهذه تبتعد بدورها عن أية إشارة تتعلق بالموت والعالم الآخر مما هو معروف
في القبور المصرية الأخرى.
تقوم العلاقة بين آتون ومخلوقاته على الحب المتبادل للخالق الذي أظهرها إلى
الوجود ويسر لها رزقها، تقول الترتيلة مخاطبة الرب الأعلى:
"كل قلب يخفق لمرآك، لأنك ترتفع سيداً للجميع، كل أيدي البشر ترتفع لتسبح
ظهورك". وهذا يسري على كل الشعوب في كل أقطار المعمورة:
"أنت آتون النهار مبجل في كل قطر بعيد".
وتشترك في محبة آتون كل أشكال الحياة على الأرض، وكل يسبح بحمده على طريقته
الخاصة:
"كل مخلوق صنعته يثب إليك ..."
"كل الحيوانات تثب على قوائمها، وكل ذوات الريش تنهض من أعشاشها وتصفق
أجنحتها بفرح، وتدور وتسبح بحمد آتون".
ويشترك في هذا الحب والتسبيح عالم النباتات أيضاً:
"النباتات تتفتح أزهارا، والنباتات في الأراضي القاحلة تطلع وريقاتها لمرآك".
وبذلك توحد الأتونية بين جميع أشكال الحياة على الأرض، وبين خالقها بالحب.
الأمر الذي توّج فيما بعد بأبهى صورة في القرآن الكريم:
"تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ
ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" الإسراء 44
لم يُصوَّر الإله أتون بتاتا في هيئة مشخصة إنما اكتفى النحات بإظهار رمزه التشكيلي
وهو عبارة عن قرص الشمس الملتهب وقد انبعثت أشعته في كل اتجاه، وكل شعاع ينتهي بكف
توزع الخير والبركة. وفيما عدا ذلك فإن الرسوم والمنحوتات خلت من المشاهد الدينية ذات
الخلفية الأسطورية، واقتصرت على تصوير المشاهد الدنيوية، وهي في ذلك تشبه الفن الإغريقي
الذي تلاها لاحقا وجعل من الإنسان وجمال الطبيعة بؤرة اهتمامه. ولعل غياب الأسطورة
في الديانة الأتونية أمر تستدعيه طبيعة معتقدها، فالوظيفة الدينية للأسطورة هي توضيح
صورة الآلهة وعلاقاتها ببعضها وبالإنسان، أما إله أخناتون الذي ليس كمثله شيء فإنه
لا يتطلب التشخيص والتمثيل والتشبيه.
نستطيع أن نلمح أوجه التشابه بوضوح بين الديانتين الأتونية واليهودية مثلا،
في التقاطعات التالية:
أولاً: الديانتان تعتقدان بإله واحد، وان كانت وحدانية أخناتون أعم واشمل،
لأنه يرى أتون إلها لجميع الأمم، يتجلى في السلم وفي جميع أشكال الحياة والنماء
والازدهار، بعكس اليهودية التي استأثرت بالله إلها محاربا ينحاز لصفها دون
العالمين، فيخوض المعارك ويسجل الانتصارات معها.
من المرجح أن اليهودية قد بدأت من الأخناتونية ثم خص اليهود أنفسهم بصفة
شعب الله المختار واثروا شعبهم دون العالمين بحماية الله الشخصية في محاولة منهم
على ما يبدو للحفاظ على أنفسهم وحمايتها من الشعوب الأخرى التي كانت تتربص بهم
الدوائر نتيجة تنمرهم على من جاورهم من الأمم، وسنجد استعداء الشعوب التي تستضيفهم
أو تجاورهم ملازما لهم عبر التاريخ.
ثانيا: تمنع الديانتان أي نوع من أنواع التصوير أو النحت للإله الواحد،
لذلك فقد حُطّمت كل التماثيل في عهد حكم أخناتون ومسحت عن جدران المعابد كل صور
وأسماء الآلهة القديمة، وكانت الإشارة الوحيدة المسموح بها كرمز للإله هي أشعة
الشمس التي ترمز للقدرة الإلهية، بالمقابل؛ نقرأ في التوراة مثلا: "لا تصنع
لك تمثالا، صورة مما في السماء من فوق، وما في الأرض من أسفل، وما في الماء تحت
الأرض"[14]
ثالثا: حاربت الأتونية السحر والسحرة، كذلك الأمر بالنسبة للديانة اليهودية
التي حرمت السحر.
رابعا: لقد استمرت بعض الصلوات الأتونية حية في التوراة، من ذلك مثلا إحدى
صلوات أخناتون في تسبيح الله التي نجد بعض نصوصها تكاد تكون حرفية مع ما جاء في
المزمور 104 من سفر المزامير في التوراة:
صلاة أخناتون[15]:
- العالم في ظلام كأنه الموت، الأسود تخرج من عرينها والحيات من جحورها،
والظلام يسود
- وعندما تشرق الشمس في الأفق يتلاشى
الظلام ويذهب كل إلى عمله
المزمور 104 [16]:
20- تجعل ظلمة فيصير ليل، فيه يدب كل حيوان الوعر
22- تشرق الشمس فتجتمع، وفي مآويها تربض
23- الإنسان يخرج إلى عمله، وإلى شغله إلى المساء
إن الانتقام والمحو الشامل الذي تعرضت له ديانة أخناتون بعد وفاته لم يترك
لنا من آثارها سوى النذر اليسير، ومع ذلك نجد تطابقا حرفيا بين بعض نصوصها وبين
نصوص تشكل أساس العقيدة في الديانات السماوية الأخرى، انظر كيف يصف أخناتون الله
في صلاته بأنه نور العالم:
"أنت جميل وعظيم ومشرق الآن فوق جميع البلدان،
وأشعتك تملك كل البلاد حتى آخر ما خلقت."
وفي المزمور 104:
1 باركي يا نفسي الرب. يا رب إلهي، قد عظمت جدا. مجدا وجلالا لبست.
2 اللابس النور كثوب، الباسط السماوات كشقة
ثم انظر قول السيد المسيح على لسان
الرب:
ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: "أنا هو نور العالم. من
يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة".
يوحنا12:8
وفي القرآن الكريم:
"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ
كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ
كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا
شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَولمْ تَمْسَسْهُ
نَارٌ ۚ نُّورٌ على نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ
اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"
النور-35
وانظر إلى تكرار الإشارة إلى خلق الإنسان من تراب الأرض الذي سيعود إليه
بعد وفاته، ففي التوراة:
" بعرق وجهك تأكل خبزا حتى
تعود إلى الأرض التي أخذت منها. لأنك تراب، وإلى تراب تعود" [17]
وفي القرآن الكريم:
"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرىٰ" 20:55
يرى واليس بودج في كتابه المعروف عن الديانة المصرية القديمة أنها ديانة
توحيدية لا تختلف في ذلك عن الديانات السماوية الأخرى إذ يقول:
"حين يدرس القارئ نصوص الديانة المصرية تحصل لديه القناعة بأن
المصريين كانوا قوماً يؤمنون بإله واحد، موجود بذاته، خالد، غير مرئي، أبدي، قدير،
لا يحيط به عقل، خالق السماوات والأرض والعالم الأسفل، خالق الرجال والنساء
والحيوان والطير والسمك والزواحف والشجر والزرع والكائنات الروحانية، كان رسله
ينفذون مشيئته ويحققون كلمته ... وأننا مهما عدنا بالزمن إلى الوراء، فربما لن
نقترب أبدا من زمان كان فيه المصري بدون هذا الإيمان الرائع".[18]
إن ما يصفه بودج هنا ليس في واقع الأمر إلها مشخصا، بل مجال قدسي وقوة
كونية مطلقة، هذه الألوهية التي استمر الإيمان بها من العصر الحجري إلى نهاية
التاريخ المصري، لم يكن لها في العصور التاريخية معابد أو هياكل ولم ترسم أو تنحت
في هيئة شخصية أبدا، بل بقيت في القلوب قدرة كونية لا يحدها وصف أو قول، و كما
يقول بودج فقد كان يرمز لهذه الألوهية بفأس ذي رأس حجري ومقبض خشبي، وتحيط بالرأس
أربطة جلدية أو قماشية لتثبيتها على المقبض الخشبي لأن الحجر كان عرضةً للتشقق بالاستعمال الطويل،
و عندما حل الرأس المعدني محل الرأس الحجري، غابت الأربطة الجلدية عن رأس الفأس
الذي لم يعد بحاجة إلى تدعيم. يبدو أن اختيار الإنسان الحجري لرمز الفأس دلالة على
الألوهية، هو للتوكيد على جانب القوة الكامنة فيه.
أما قصة طوفان نوح فنجد لها تكراراً في الأديان جميعها، قديمها وحديثها
بطريقة تكاد تكون حرفية:
"وقلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك، إلا من سبق عليه القول،
ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل"
قرآن كريم: هود-7
"وقال الرب لنوح ادخل السفينة أنت وجميع أهلك، فإني إياك رأيت بارا
أمامي في هذا الجيل"
العهد القديم: سفر التكوين، الإصحاح السابع-1
"قوض بيتك وابن سفينة، اهجر ممتلكاتك، وانج بنفسك، اترك متاعك وأنقذ
حياتك، واحمل فيها بذرة كل ذي حياة"
من الأحافير البابلية.
أما قصة الطوفان نفسها فتتحدث بطريقة رمزية عن الكارثة التي يمكن أن تحل
بالجنس البشري عندما ينسى الغاية التي خلق من أجلها في أن يعبد الله لا يشرك به
أحداً، ويتحول بدلا من ذلك ليعيث في الأرض جورا و فسادا وتخريبا، عندئذٍ يذهب الله
بالفاسدين ويأتي بآخرين صالحين يملؤون الأرض عدلا وازدهارا، وهذا ما حصل لقوم نوح
الذين عاثوا في الأرض فسادا ولم يقبلوا بالنصح والإرشاد من نبي الله المختار نوح،
وبعد أن يئس نوح من قومه أمره الله ببناء سفينة ضخمة يحمل فيها البشر الصالحين ومن
الحيوانات ما يجعله قادرا على بدء حياة يرضى الله عنها من جديد، ثم أغرق الله
الأرض وما عليها، لتبدأ الإنسانية عهدا جديدا مع الله بعد انحسار الطوفان.
تتكرر القصة مع اختلافات بسيطة كل مرة بين السومريين والبابليين
والعبرانيين وتظهر في الأسطورة الإغريقية مع بعض التغيير في الظروف والأسماء، إذ
تقول: أن كبير آلهة الأوليمب "زيوس" قرر تدمير الحياة على الأرض، فأرسل
طوفانا عارما استمر تسعة أيام قضى على الناس جميعا إلا رجلا وامرأة هما
"ديكليون" وزوجته "فرحه" الذين لجآ إلى سفينة استقرت بهما على
قمة جبل البرناس، وقد رأى زيوس بعد ذلك أن يعيد الحياة إلى الأرض فأمر الزوجين أن
يرميا حجارة صغيرة خلفهما لتتحول هذه الحجارة إلى مخلوقات حية.
ما يلفت النظر أن أسطورة دمار شامل ألم بالأرض تتكرر في ثقافات كثير من
الشعوب بالرغم من التباعد الجغرافي بينها: فلدى السكان الأصليين في بوليفيا أسطورة
تحكي عن دمار حل على الأرض بواسطة نار سماوية لم ينج منها إلا شخص واحد آوى إلى
كهف منيع، وفي نيوزيلندا يقوم بطل إحدى الأساطير بسرقة النار السماوية والفرار بها
إلى الأرض، لكنه ولجهله بصفات النار يسقطها من يده فتحرق الأخضر واليابس، حتى ترسل
الآلهة طوفانا يطفئها. ولدى هنود كاليفورنيا أسطورة مماثلة، وتتناقل قبائل
البرازيل حكاية طوفان عظيم، وكذلك قبائل غينيا البريطانية وبعض القبائل الأوروبية
قبل اعتناقها المسيحية، وفي أسطورة هندية أن طوفانا غمر العالم ولم ينج منه سوى
رجل وامرأة كانا على أعلى قمة جبل، وبعد أن انحسر الطوفان راحا يرتجفان من البرد،
فحنّ عليهما أهل القمر وأرسلوا لهما نارا ليتدفآ[19]
إن تحليل المعلومات التي تم جمعها عن حياة المجتمعات الأسترالية ومعتقداتها
وطقوسها الدينية منذ أواسط القرن التاسع عشر، يشير إلى أن ما يقدسه السكان
الأصليون بالدرجة الأولى هو قوة كونية شاملة غير مشخصة خالدة وقد عمد الأسترالي
إلى تجسيد هذه القوة من خلال موضوع مرئي مأخوذ من عالم النبات أو الحيوان، أو ما
يسمى بالطوطم. أما المجتمعات الطوطمية التي نواجهها في أميركا الشمالية فقد سارت
بمفهوم المبدأ الطوطمي نحو شكل أكثر شمولية ونقاء، فبالرغم من وجود عدد من
الكائنات العلوية التي تتركز حولها الطقوس الدينية لهذه المجتمعات إلا أنه هناك
قوة شمولية فوق هذه الكائنات تستمد منها وجودها وفعاليتها وتسمى (واكان- (Wakan، وهي السر المحرك للكون بكل ما فيه وهي سبب
حفظه واستمراره. ونجد الاعتقاد نفسه لدى جماعات الهنود الحمر الأخرى مع اختلاف
التسميات.
لا يقتصر هذا الشكل من المعتقد الديني الأولي على المجتمعات الطوطمية بل
يتجاوزها إلى معظم المجتمعات البدائية التي عاشت على هامش تطور الحضارة العالمية،
فنواجه مفهوم القوة الكونية الشاملة في أساس معتقدات ثقافات جزر المحيط الهادي
الجنوبية الغربية (البولينيزية منها والميلانيزية). يقول الفيلسوف والأنثروبولوجي
البريطاني ماريت ((R. Marett في كتابه
عتبة الدين (The threshold of religion) الصادر في
لندن عام 1909:
"إن الميلانيزي يحس بحضور عالم فوق الطبيعة يتجلى كشيء خارق وغير
مفهوم، يستثير الإحساس، ويجد الإنسان نفسه معه في علاقة غير اختيارية لا يمكن
دفعها. وهو يميز بين حالتين للمواجهة مع هذا العالم؛ حال إيجابي وحال سلبي، فيدعو
الأول بالمانا وهو الإحساس بفعالية ذلك العالم واثاره في الإنسان ومظاهر الطبيعة،
ويدعو الثاني بالتابو، وهو الإحساس بالجوانب الخطرة لتلك الفعالية واحتمالات الأذى
الكامن فيها وضرورة مراقبتها بحذر[20].
فإذا انتقلنا من جزر المحيط الهادي إلى أفريقيا السوداء، وجدنا أن الديانات
الأفريقية وبالرغم من احتكاكها المبكر بديانات الحضارات الكبرى منذ عهد الفراعنة
وتلقيها لمؤثرات غريبة كثيرة فقد حافظت على الملامح الأساسية للمعتقد الديني
الأولي الذي يتميز بالقداسة والقدرة المطلقة.
تبين هذه الأمثلة التي تنتمي لأربع قارات أوجه التقارب والتشابه بين
المعتقد الحديث في الألوهية ومعتقد العصر الحجري. لقد اعتقد الباحثون طويلا أن
الإنسان القديم كان محكوما بحواسه وبنوا على هذا أن تصور الإنسان لله قد بدء مع
ابتكار آلهة مشخصة، لكن يتضح مما سبق أن معرفة الله كانت تدور حول مفاهيم عالية
التجريد وشديدة الاتصال بالواقع في الوقت نفسه.
يقول أحد حكماء قبائل الهنود الحمر في (داكوتا) في معرض شرحه لمعتقدهم حول
القدرة الكونية المطلقة أو ما يسمونه (واكان):
"إن كل متحرك لا بد له من التوقف هنا أوهناك؛ فالطائر يتوقف ليصنع له
عشاً، والإنسان يتوقف أينما أراد، وكذلك الواكان كان له توقفات؛ فالشمس البهية
المضيئة نجمت عن مكان توقف عنده الواكان، وكذلك الأشياء الأخرى من حيوانات واشجار
وما إليها، كلها نجمت عن مكان توقف عنده الواكان، وإن الهندي عندما يرسل صلاته
يفكر في هذه الأمكنة التي توقف عندها الواكان ليحصل على العون والبركة"[21]
لو استبدلنا كلمة الله بكلمة الواكان بلغة الهنود الحمر وكل من الكلمات التالية: الشمس
والقمر والشجر التي يذكرها الحكيم في وصفه لصلاة الهندي بكلمة آيات الله في خلقه
لوجدنا تطابقا كبيراً بين ما جاءت به الديانات الحديثة مع ديانات الإنسان الأول.
في الديانة الهندوسية تقوم فكرة المايا من أجل الربط بين
الواحد غير المتجزئ الذي هو أصل كل الوجود بتنوعاته المختلفة والكثرة التي تصدر
عنه، لأن الواحد لا يمكن أن يكون سبب الكثرة لذلك فإن الكثرة التي نشاهدها في
الطبيعة لا بد أن تكون وهماً يتعلق بعالم الظواهر الخدّاع. وما دامت الروح تعيش في
دوامة السببية فإنها واقعة في أسر المايا، تعاين الكثرة والتنوع، كثرة مظاهر
الطبيعة وتنوع النفوس البشرية. لكنها عندما تفلح في الانعتاق فإن الوهم الكبير
ينجلي، ويبدو لها الكون متوحدا في المطلق العظيم، فتنمحي الحدود بين الظواهر وتذوب
الفروق بين الأرواح التي كانت تعيش وهم التفرد والاستقلال ويظهر الإله الأزلي الحق
ويتحقق التطابق في الهوية بين النفس والمطلق. إن ما يحقق للنفس هذا النوع من
الانعتاق النهائي هو كدحها في سبيل معرفة الحق، وانكشاف البصيرة الداخلية على
حقيقة أن هذا العالم المتنوع هو واحد في جوهره، وان كل ما في الوجود هو (براهمان)
التي تقابلها كلمة (الله) في الديانات السماوية، وذلك على حد التعبير الإسلامي
المعروف: لا موجود إلا الله، فعندما يقول الحكيم الهندوسي: "أنا برهمن"،
أو يشطح الحلاج صارخا "أنا الحق"، أو يقول أبو يزيد البسطامي:
"سبحاني ما أعظم شأني"، فإن هذه الكلمات تبدو آخر ما يتلعثم به اللسان
قبل أن يصمت أمام الكشف، وقبل أن تنتشر الاستنارة في كل زاوية من زوايا النفس من
خلال الاتصال بالخالق الحق.
تشكل (الأوبانيشاد) التي تعني سبيل المعرفة للوصول إلى الحق، الأسفار
التقليدية المقدسة المعروفة ب(الفيدا) والتي تمثّل بدورها محور الهندوسية
التقليدية، وهي تأملات عميقة في النفس الكونية التي يسمونها براهمان (الله) وفي
النفس الإنسانية التي يسمونها (أتمان).
تقوم تأملات أناشيد الأوبانيشاد حول معرفة براهمان (الله) الموجود خارج
الزمان والمكان والذي ليس كمثله شيء، إنه الحقيقة الوحيدة وما عداه مجرد ظهور
عابر، فكل ما نراه من أشكال وهيئات لا حصر لها أشبه بانعكاس نور ألف شمس في قطرة
صغيرة من الندى لا تلبث أن تجف وتتلاشى، نقرأ في إحدى الأناشيد المسماة
كين-أوبانيشاد:[22]
هو الذي لا تدركه الأبصار
وبه تدرِك الأبصار
هو الذي لا تسمعه الآذان
وبه تسمع الآذان
هو الذي لا يوضحه كلام
وبه يتضح الكلام
هو الذي لا تطاله العقول
وبه تعقل العقول
هو المختلف عما نعرف
وهو المختلف عما لا نعرف
إنه براهمان
اعرفه في صميم ذاتك
ولا تعبد أياً سواه
((Ken Opanishad 1/5-
وفي الأوبانيشاد نفسه نقرأ أيضا:
لا أعتقد أني أعرف عنه شيئا
ولا أعتقد أني لا أعرف أيضا
لا يُعقل أن يعرفه المرء
لا يعقل ألا يعرفه أيضا
من يدرك مني هذا القول
ربما عرفه قليلا
والحكيم الذي يلمس حضوره أينما توجه
يجتاز بحار الوهم ويدخل الأبدية
يتردد صدى هذه المعاني نفسها لدى صوفية الإسلام، فنجد المتصوف الإسلامي
(النفري) يقول في كتابه (المواقف): " الجهل حجاب الرؤية، والعلم كاشف الرؤية.
أنا الظاهر لا حجاب، وانا الباطن لا كشوف. وقال لي من عرف الحجاب أشرف على
الكشف" (موقف 29).
وايضا: " إذا رأيتني استوى الكشف والحجاب" (موقف 31).
وفي المواقف الأخيرة إشارة إلى قوله تعالى:
"هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" (الحديد- 3)
ويقول أيضاً": " فرأيت العيون كلها شاخصة، فتراه في كل شيء
احتجبت به، وإذا أطرقت رأيته فيها". (موقف 47) وفي الموقف الأخير إشارة إلى
الآية الكريمة: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق،
أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ..." (فصّلت-53)
بعد معرفة براهمان عن طريق اختراق حجاب وهم العالم الزائل إليه، تأتي
الفكرة الهامة الثانية، وهي أن النفس الإنسانية التي تبدو منعزلة في الجسد المفرد،
ليست إلا قبسا من نفس براهمان الكلية، وان كدح الإنسان الروحي يجب أن ينصب على
تلمس هذا التطابق بين براهمان-النفس الكلية، واتمان-النفس الإنسانية: وهذا يقابل
الآية الكريمة: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه"
(الانشقاق -6). وهذا أيضا معنى قول السيد المسيح فيما بعد: "أنا والآب واحد،
فمن رآني رأى الآب". وهو أيضا ما قصده الحلاج ابن منصور المتصوف الإسلامي، عندما
أنشد:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا.
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا.
تقوم الصوفية على نظرية التجلي، فكل ما هو موجود في عالم الظواهر عبارة عن
مُجلّى أو مظهر إلهي؛ فالحق يتجلى في الأشياء أي يظهر فيها، فيتكثّر دون أن ينقسم
ولتوضيح ذلك يسوق الصوفي ذائع الصيت (ابن عربي) مثالا مستمدا من الأعداد، فيقول:
إن العدد واحد هو جوهر الإثنين والثلاثة وسائر الأعداد، فهو يصاحبها في الظهور دون
أن ينقسم، وهو في كل عدد يحافظ على إشارة واحدة ودلالة واحدة وهي إشارته إلى ذاته
ودلالته على هذه الذات. أما بقية الأعداد فلكل منها دلالتان؛ دلالة على نفسه
ودلالة على الواحد المندرج أو المتكرر فيه. كذلك هو شأن الحق والعالم، فالذات
الإلهية إذا نظرنا إليها مجردة عن جميع العلاقات والنسب، لم يكن لها دلالة ولا
إشارة إلا إلى نفسها، أما العالم الذي هو كثرة من صور الوجود فله إشارتان؛ إشارة
إلى نفسه واشارة إلى الذات المندرجة في كل صورة من صوره[23] . فظهور العالم بالنسبة للمتصوف إذاً ليس خلقا
من عدم، بل خروج من وجود اليقين إلى وجود المحسوس، فالله يُظهر ما يريد إلى الوجود
المحسوس ويعطيه اسمه الظاهر، فهو الظاهر في كل صورة والمتجلي في كل وجه، وهو
الوجود الواحد، والأشياء موجودة به معدومة بنفسها. إلا أن وجود الحق لا ينحصر
ويتحدد بظهوره في المظاهر، بل إن له وجودا متعاليا خاصا به، فبينما يتجه اسمه
الظاهر نحو الخارج، فإن اسمه الباطن يتجه نحو الغيب ولا يكون فيه تجل أبدا. وهذا
ما يفرق بين المفهوم المادي لوحدة الوجود الذي جاء به سبينوزا والذي يقول بأنه لا
وجود لشيء سوى العالم الذي يقال له الله، ومفهوم ابن عربي[24]
الذي يميّز بين الظاهر والباطن.
إن خلق الله للعالم، لم يحدث مرة واحدة في بداية الزمن كما يقول ابن عربي،
وانما هو خلق مستمر يجري في كل لحظة "كل يوم هو في شأن"، فمع كل نفس من
أنفاس الإنسان يعود إلى الفناء ثم يسترده الرحمن إلى الوجود ثانية، والإيقاع ذاته
يجري على بقية الموجودات التي هي فانية كما يقول في الفتوحات المكية. فإذا كان
الوجود الحقيقي هو لله وحده، فإن كل وجود آخر لا يعدو أن يكون خيالا ناتجا عن فعل
الإرادة الخلاقة لدى الذات الإلهية، فالحياة حلم وصور الوجود الخارجي ما هي إلا
خيال في خيال، والى هذا يشير الحديث الشريف الذي يقول: "الناس نيام، فإذا
ماتوا انتبهوا".
يقول ابن عربي بأن كل المعبودات التي يتوجه إليها البشر في كل زمان ومكان
تتجلى فيها أسماء الله، وإن التوجه إليها بالعبادة ما هو إلا طريق لمعرفة الذات
الإلهية الحقة.
وهكذا نعود من رحلتنا في رحاب دين الإنسان إلى نقطة المبتدأ، فالوثن الذي
يراه ابن عربي قائما بين الإنسان والذات الإلهية ما هو إلا إشارة القداسة التي
أقامها الإنسان منذ الأزل ورسمها على جدران كهوفه من رأس الثور في المربيط إلى
مشهد البيسون المتحفز للانطلاق في كهف لاسكو ... فما هذا إلا ذاك، ولَكَم ذهب
الإنسان بعيدا ليعيد صياغة المعتقد نفسه ولكن بأشكال جديدة، لقد قام برحلة عقلية
طويلة لكنه لم يتقدم قيد أنملة من مكانه في رحلته النفسية.
لقد وجد العقلانيون في الدين نظاما من الأفكار ينطلق من واقعة بيولوجية مثل
الأحلام عند الروحانيين، أو واقعة طبيعية مؤثرة عند أصحاب العلوم الطبيعية، وهم
يؤكدون على أن فكرة الألوهة تنشأ في الذهن نتيجة التأمل في موضوع ما ومحاولة
الإجابة على تساؤلات تدور حوله، غير أن المؤمن عندما يصف لنا حقيقة إحساسه الديني،
لا نجد في وصفه موقفا فكريا عقلانيا من أي نوع، فالخبرة الدينية لا تعمل على زيادة
معارفه ومعلوماته بخصوص موضوعات معينة يجهلها الآخرون بل تجعل منه إنسانا متكاملا
مع نفسه ومع كل ما يحيط به. أي أن التفكير لا يخلق الخبرة الدينية ولا الألوهة، بل
يأتي لاحقا لهذه الخبرة التي تداهم الإنسان وتستولي عليه دون تفكير مسبق، والتأمل
لا يسبق الإحساس بالألوهة بل ينطلق من هذا الإحساس نفسه ويتعامل معه وفقا لذلك.
يعزو البعض الدين إلى عاطفتين أساسيتين لدى البشر هما الخوف والطمع، وبما
أن محور مخاوف الإنسان هو خوفه من الموت، ومنتهى طمعه هو الاستمرار والخلود بعد
الممات، فإن هاتين العاطفتين تتعاونان على صياغة معتقد يقسم الإنسان إلى كيانين؛
أحدهما مادي والآخر روحاني. فإذا كان الموت لابد مدرك كيان الإنسان المادي كما
يخبرنا الواقع والخبرة اليومية، فإن الكيان الروحاني سوف يجتاز واقعة الموت وينتقل
إلى مستوى آخر للوجود يتمتع فيه بالحياة الأبدية. وبما أننا نواجه فكرة الروح هذه
في كل ديانة قديمة أو حديثة إلا ما ندر كما نواجه في كل منها تصورا لحالة الروح
بعد الموت، فقد توصل أصحاب النظرية العاطفية إلى القول بأن الحس الديني هو نتاج
ثانوي لعاطفة الخوف من الموت والطمع في الخلود، وان مفهوم الألوهة لم يترسخ إلا
لكي يضمن الإنسان لنفسه خلاصا وخلودا أبدياً.
فهل أفلحت هذه النظريات في تقديم تفسير يتوافق مع ما نعرفه عن تاريخ
الأديان ومعتقداتها؟؟
إن الشرط في صلاح أية نظرية علمية هو إمكانيتها في أن تفسّر جميع ما يمت
إلى موضوعها بصلة مهما تكررت الاختبارات والمشاهدات على موضوع الاختبار، ولو فشلت
النظرية في تفسير هذه المشاهدات ولو مرة واحد، لسقطت على الفور؛ مثلا لو تبين أن
جرما سماويا واحدا مثلا لا يخضع لقوانين الجاذبية بل يبتعد عن الأرض أثناء سقوطه
الحر بدلا من أن ينجذب إليها لأصبحت نظرية نيوتن في الجاذبية محل نقد واعادة نظر.
وبما أن معطيات تاريخ الأديان و علم الأديان المقارن ومعطيات الأنثروبولوجيا (علم
الإنسان الطبيعي) والإثنولوجيا (علم تاريخ ثقافة الإنسان) تزودنا بأكثر من مثال عن
معتقدات دينية من بدائية وغيرها لا نجد فيها أثرا لفكرة خلود الروح الفردية، ولا
لعالم أفضل ترحل إليه أرواح الموتى، فإن النظرة العاطفية في نشوء الدين أي نظرية
الخوف من الموت والطمع في الخلود، تهتز أركانها أمام الدارس، فسكان أستراليا
الأصليون مثلا يعتقدون بخلود الروح التي تتجدد في كل جيل والتي تسكن باطن الأرض،
فالأسترالي لم يؤمن قط بالروح الفردية بل يعتبر روحه جزءا من روح تغمر العالم
كلّه، والى هذا الكل تعود روحه بعد الموت. مع ذلك فقد كان الأسترالي متدينا رغم
عدم إيمانه بالروح الفردية وخلودها. وفي مثال آخر من أديان الشعوب البدائية وهي
القبائل التيوتونية التي عاشت على حدود مناطق النفوذ الروماني في أوروبا فقد آمن
التيوتون بوجود الروح الفردية التي تسكن الجسد واعتقدوا بخلودها بعد موت صاحبها،
لكن خلود الفناء أرحم من هذا الخلود الذي اعتقدوا به بكثير، فالأرواح تهبط بعد موت
أجسادها إلى أرض الظلمة في العالم الأسفل، لتستمر كالأشباح في وجود لا نكهة فيه
للعيش ولا متعة، فكيف يكون الخوف من الموت والطمع في الخلود هنا أساسا لنشوء معتقد
ديني لا يُطمئِن من خوف ولا يشبع طمعاً؟؟
أما حضارات الشرق القديم ففي معتقداتها حول الروح ما يشبه المعتقدات
البدائية الأوروبية باستثناء مصر الفرعونية التي تنفرد بمعتقداتها. ففي المعتقدين
السومري والبابلي تهبط الروح إلى العالم السفلي الذي تحكمه آلهة مرعبة وهناك
تتساوى مصائر الأرواح مع فروق طفيفة تتعلق بالمكانة الاجتماعية للمتوفى وما يقدمه
ذوه من أضاحي وينذرونه من نذور، وما قام به من أعمال صالحه في حياته الأولى. ولو
كان في المعتقدين البابلي والسومري مفهوم حقيقي لخلاص الروح إلى عالم أفضل لما
طرحت مسألة الموت بهذه الطريقة المرعبة.
أما في سورية فلم تقدم لنا الوثائق الكتابية صورة واضحة عن معتقدات الموت
واحوال الروح في الدار الآخرة، فلا نستطيع إلا الاعتماد على التوراة الذي يبرز
الكثير من المعتقدات الكنعانية في الروح واحوالها بعد الموت في الدار الآخرة،
فالأرواح متساوية في مصيرها وهي تهبط إلى دار سفلى اسمها "شيؤول" أو
"الهاوية" لها أبواب تذكرنا ببوابات العالم السفلي الرافدي السبع
(أشعيا: 10:38) وهي أرض ظلمة لا يرى سكانها النور (صموئيل الثاني: 6:22، والمزمور
5:6 و 12:88) واليها تذهب أرواح الموتى دون استثناء (التكوين 35:37 والمزمور
17:31، وأشعيا 10:38)
كل ذلك يدحض النظريات
التي ترى الدين بحثاً عن الخلود هربا من مصير الإنسان المجهول بعد الموت، فالدين
ليس وهما، والمؤمن ليس واهما في إحساسه بوجود قوة أعظم منه تحفظ الوجود، لأن
الخبرة الدينية قد ارتكزت عبر الأزمان على تجربة حقيقية صلبة، وعلى شرط معطى
للوجود الإنساني. من هنا فإن الأديان تقف كلها على قدم المساواة وتتمتع بدرجة
واحدة من المشروعية، فلا وجود لأديان حقيقية واخرى زائفة، لأنها جميعها نتيجة هذه
التجربة الحقيقية الصلبة، والشرط المعطى للوجود الإنساني، فما هي هذه التجربة وتحت
أي شرط تتم؟
أما أساس التجربة فنجده متجذرا في الوعي الجمعي المنصهر بموضوعاته
الخارجية، أي وحدة طرفي الحقيقة: الإنسان والكون.
إن شيوع قصة الطوفان وغيرها من الكوارث[25]
التي أدت إلى الدمار الشامل على الأرض، والتقاطع الملفت للنظر في الأحداث الرئيسية
لعملية بدء التكوين و خلق الإنسان وما تبعها من أحداث عنيفة سطرت تاريخ البشرية في
أحقابه الأولى، بين شعوب تفصلها عن بعضها قارات بل وأزمنة سحيقة في زمن لم تكن
وسائل التواصل و الاتصال متاحة فيه، ليثير التساؤل حول أسباب هذا النوع من القصص
وبواعث نشأتها الذي لابد وان يشير إلى منبع ديني واحد استعمل الرمز لتقريب القصة من
الفهم، خاصة وان العناصر الرئيسية في هذه القصص تتطابق حرفيا؛ فخلق الإنسان يبدأ
لدى الجميع من طين، ليتميز الإنسان بعد ذلك بنفحة الروح الإلهية التي تحمل معاني
المعرفة والحرية والاختيار وهي صفات إلهية لا تتمتع بها بقية الكائنات، فتتفق جميع
الديانات لذلك على وصف الإنسان بأنه شبيه الإله، لكن هذه الصفات تحديدا تحمّل
الإنسان مسؤولية في اختيار أفعاله لتكون جليلة كاملة جديرة بكونه خليفة الله على
الأرض، وعندما يشذ الإنسان عن الغاية التي خلق من أجلها ويعيث فسادا في الأرض
تتدخل القدرة الإلهية لتهلك الأقوام الفاسدين وتستبدلهم بآخرين أكثر أهلية و
صلاحا، فالأرض في المحصلة يرثها عباد الله الصالحين، أو بكلمات أخرى نقتبسها من
نظرية تطور الأنواع، فإن البقاء دوما للأصلح، بل إن اللمسات الأسطورية في هذه القصص
يمكن أن تجد لها رصيدا في الواقع العلمي المعاصر؛ مما يجعلنا نشك بأن القصة لها
أصل حقيقي طالته يد الأسطورة بفعل التقادم و انتقال المعلومة عبر أجيال طويلة من
جيل إلى جيل، فخلق الإنسان من طين مثلا يمكن تفسيره بأن جسم الإنسان يتكون أساسا من
ماء بنسبة كبيرة، ومعادن من أتربة الأرض كالفسفور والكالسيوم والمنغنيز والنحاس
كما رأينا، لكن هذه المعلومة العلمية على بساطتها لم يتم التوصل إليها إلا بعد كثير
من الدراسات والأبحاث وبعد توفر الأدوات العلمية اللازمة لذلك، وقس على ذلك الكثير.
من أهم ميزات المادة الفكرية لدى الشعوب البدائية أنها أتت على شكل قصص
ملحمية تتماشى مع الواقع مما يساعد على فهمها من قبل جميع شرائح المجتمع: الكبير
والصغير، الذكر والأنثى، الأبيض والأسود ... ويختزنها في ذاكرة الشعوب جيلا بعد
جيل، ومن الطبيعي بعد أن يطول الزمن على هذه القصص أن تمتد إليها يد الأسطورة
والتحريف لتظهر بعض الاختلافات البسيطة بين مروية واخرى وشعب وآخر مع بقاء المعالم
الأساسية للقصة والعبر المستقاة منها على حالها.
إن للرمز الذي تتضمنه هذه القصص، أهمية كبرى لذلك تكثر الرمزية والأحلام
المقدسة والإشارات الخفية والمُعلنة بين ثنايا الأسفار المقدسة، ولعل ما حفر هذه الحكايات
الدينية القديمة عميقاً في ذاكرة الشعوب أنها قد لعبت في العصور القديمة ما تلعبه
الدراما على المسرح الكلاسيكي اليوم، فلعلها نوع من تطهير المشاعر للمستمع وهو
يقلّب في مخيلته ألوان الصراع بين الإنسان و القوى الطبيعية الخارقة وما نتج عن
هذا الصراع من بقاء الأقوى و الأفضل فكانت له بمثابة المتنفس لكل أنواع العنف
الداخلي الذي يعانيه ويحار في إطلاقه، ولعلها نوع من أنواع التعبير عن طاقات البشر
التدميرية الكامنة التي لم تروِ ظمأها شتى أنواع الحروب، هذه الرغبة المتأججة لسفك
الدماء التي وجدناها في حلبات المصارعين في روما حيث أزهقت أرواح آلاف العبيد أمام
صيحات المتعة التي انطلقت من حناجر المشاهدين لدماء هؤلاء الأبرياء وهي تراق أمام
أعينهم، ثم تحولت في اسبانيا إلى قتل الثيران وسفك دمائها على يد مصارعي الثيران
أمام المتفرجين والمشجعين، بل إن حلقات الملاكمة التي تؤدي إلى تهشيم أبطالها أمام
سمع وبصر الملايين من البشر وتدر الأرباح على منظميها بملايين الدولارات هو نوع من
أنواع التنفيس عن ألوان العنف الذي تضطرم به النفس البشرية.
هذا بالنسبة للخطاب الديني أو النص الديني المقدس، أما فكرة الألوهية فيرى
الكثيرون أنها واحدة لدى جميع الأديان؛ ومن أشهر النظريات التي تقول بذلك نظرية
أندرو لانغ، ونظرية وليم شميدت المكملة لها:
يرى أندرو لانغ[26]
أن فكرة الإله الأعلى موجودة لدى أكثر الشعوب بدائية وهم الأستراليون، كما نجدها
أيضا في أفريقيا و الأمريكيتين وينتقد التبسيط الشديد الذي يلجأ إليه معظم
التطوريين (أي الذين يؤمنون بنظرية التطور لتشارلز داروين)، ويعتقد بأن فكرة
الكائنات الإلهية العليا قد قامت في استقلال تام عن معتقدات الأرواح و عبادة
الأسلاف وان الذهن الإنساني كان قادرا دائما عبر كل العصور على التوصل إلى فكرة
الكائن الإلهي الأعلى، إلا أن الخيال غالبا ما غلّف هذا المفهوم السامي بتصورات
أسطورية خلقت حشدا من الآلهة، حجب وراءه ذلك المفهوم الأصلي[27]
.
بعد وفاة أندرو لانغ، قام (وليم شميدت-Wilhelm Shmidt :1868-1954) وهو كاهن كاثوليكي وعالم
أنثروبولوجي بتطوير أفكار (لانغ) حول توحيد الأديان البدائية في كتابه الضخم (منشأ
فكرة الله، بالألمانية (Der Urprung der Gottesidee) الذي اكتمل في عام 1955.
هاجم شميدت النظريات التطورية في دراسة الدين، مؤكدا أن التاريخ الإنساني
وتاريخ الأفكار بشكل خاص هو مجال أكثر تعقيدا مما يتصوره التطوريون، وبدلا من
الحركة الخطية لتطور الحضارة التي يقترحها التطوريون، يقترح شميدت عددا من الدوائر
الحضارية التي تطورت كل منها في استقلال نسبي عن الأخرى وحملت خصائص مختلفة أيضا.
وبعد قيامه برسم حدود هذه الدوائر، أبرز شميدت فكرة الكائن الأعلى في معتقدات كل
دائرة موضحا صفات الكائن الأعلى في كل حالة، لينتهي أخيرا إلى القول بتشابه
الكائنات العليا وتماثل سماتها وخصائصها في كل مكان. أما سبب هذا التشابه فيعود في
رأيه إلى أن ثقافات العالم الحديث في قاراته الخمس ينبغي ألا توضع على مسار تطوري
خطي، لأن كل ثقافة قد تطورت في معزل عن الأخرى ضمن دائرتها الحضارية الخاصة، لكن هذه الثقافات جميعا قد نشأت عن مستوى حضاري واحد مغرق في
القدم سادت عنده ديانة واحدة تؤمن بإله واحد، ومنها أخذت الأديان التي استقلت عنها
فيما بعد بذور التوحيد. إن مثل هذه الديانة الأصلية الواحدة لا يمكن تفسيرها إلا
بالقول بوحي هبط على البشرية منذ جذور تاريخها.
يعزو شميدت اختلاف الأديان ومقام الألوهية بين المجتمعات المختلفة بمرور
الزمن إلى التبدل في أنماط الحياة وما يعكسه هذا التبدل من أثر على الأفكار
والمعتقدات؛ فالمجتمعات الزراعية مثلا أكدت على كائن إلهي مؤنث ذي خصائص تتعلق
بالقمر، بينما اعتقدت الشعوب الرعوية بإله مذكر هو سيد السماء والطبيعة.
تتجلى هذه
الفكرة في العديد من النظريات الفلسفية والدينية التي تشير إلى أن البشرية بدأت
بإيمان مشترك بإله واحد. هذا الإيمان يمكن تفسيره بوحي إلهي نزل على البشرية منذ
بداياتها، مما أدى إلى نشوء ديانة توحيدية شاملة. هذه الديانة الأصلية، وفقًا لهذه
النظريات، كانت تحتوي على المبادئ الأساسية للإيمان بإله واحد، والتي انتقلت عبر
الأجيال والثقافات المختلفة.
من الناحية
الأثرية، هناك بعض الأدلة التي تشير إلى وجود معتقدات توحيدية في الحضارات
القديمة. على سبيل المثال، نجد في الحضارة المصرية القديمة إشارات إلى إله واحد في
بعض الفترات، مثل فترة حكم الفرعون أخناتون الذي دعا إلى عبادة إله واحد هو آتون.
كما نجد في الحضارة السومرية إشارات إلى إله واحد في بعض النصوص القديمة.
إن تأثير هذه
الديانة الأصلية يمكن رؤيته في الأديان الكبرى التي نشأت فيما بعد. فالأديان
الإبراهيمية، مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، تحمل جميعها فكرة التوحيد وتؤمن
بإله واحد. هذه الأديان، رغم اختلافاتها، تشترك في العديد من المبادئ الأساسية
التي يمكن تتبعها إلى تلك الديانة الأصلية المفترضة.
من الناحية
الفلسفية، يمكن تفسير وجود ديانة توحيدية أصلية بوحي إلهي نزل على البشرية منذ
بداياتها. هذا الوحي يمكن أن يكون قد شكل الأساس للإيمان بإله واحد، والذي انتقل
عبر الأجيال والثقافات المختلفة. هذه الفكرة تتماشى مع العديد من النظريات الدينية
التي تشير إلى أن الله قد أرسل رسالاته إلى البشرية منذ بداياتها، وأن هذه
الرسالات كانت تحمل نفس المبادئ الأساسية للإيمان والتوحيد.
في الختام،
يمكن القول: إن فكرة وجود ديانة توحيدية أصلية هي موضوع غني ومعقد يستحق المزيد من
البحث والدراسة. هذه الفكرة تفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول نشوء
الثقافات والأديان، وكيفية انتقال الأفكار والمعتقدات عبر الأجيال والثقافات
المختلفة. سواء كانت هذه الفكرة صحيحة أم لا، فإنها تظل موضوعًا مثيرًا للتأمل
والنقاش.
وبالنسبة للإسلام فإن الدين واحد والرب واحد والشرعة واحدة:
"شَرَعَ لَكُم
مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا
وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ
وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ
إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن
يُنِيبُ". الشورى - 13
" إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ
أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا
بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ".
آل عمران – 19.
[1] . فراس
السواح، مغامرة العقل الأولى، الطبعة السابعة ص 8
[2] . البهاغافاد
غيتا "باللغة السنسكريتية: भगवद्गीता ,Bhagavad Gītā. تُعد الكتاب المقدس في الديانة الهندوسية، وهي الحوار الذي جرى بين
السيد أو الرب المبارك كريشنا وأرجونا، وهو عبارة عن 700 بيت أو اية تقع في ثمانية
عشر فصلاً، يعرف باسم البهاغافاد غيتا ويعود تاريخها إلى قرابة الألف الثالث قبل الميلاد.
كلمة بهاغافاد تعني الله أو الرب أو الإلهي، وترمز إلى السيد كريشنا، وكلمة غيتا تعني
المغنّاة أو القصيدة أو الأنشودة، وتشكل جوهر الديانة الهندوسية الحديثة. (من
ويكيبيديا، الموسوعة الحرة)
[3] .
المرجع السابق، ص 46.
[4] .
العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الثاني
[5] . Philip Freud, Myths of Creation, W.H. Allen, London. 1964.
[6] .
المرجع السابق.
[7] . Anne Marie Helmenstine
(2-7-2018), "Elements in the Human Body and What They Do"، www.thoughtco.com,
Retrieved 18-9-2018. Edited.
[8] . A. Heidel, the Babylonian Genesis, Chicago 1970
[9] .
المرجع السابق.
[10] .
المرجع السابق.
[11] . قد
يرى البعض في تناولنا للنصوص التوراتية التي تؤيد وجهة نظرنا تحيزا وانتقائية، لكن
عذرنا في ذلك أن هذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة في تناول مادة موروثة لحق بها
الأذى والتحريفات المغرضة الخفية، وأصبح من الضرورة التركيز على تقاطعاتها مع
الموروثات الأخرى، لاحظ أن التوراة قد كتبت عبر مسافة زمنية طويلة تبدأ في القرن
العاشر وتنتهي في القرن الأول قبل الميلاد، وخلال ذلك اختلفت فكرة اليهود حتى عن
الله من إله خاص بشعب إسرائيل إلى إله مطلق للعالم كله.
[13] .
سيغموند فرويد، موسى والتوحيد ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر
بيروت 1986.
[14] . سفر
الخروج 4:20.
[16] . الكتاب
المقدس، العهد القديم، سفر المزامير، المزمور 104
[17] .
العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الثالث: 19
[18]. Wallis Budge, Egyptian Religion, Routledge, London 1975,
ch. 1
[19] Ph. Freud, Myths of
Creation, W. H. Allen, London, 1961.
[22] Chitrita Devi, Opanishads
for All, S. Shand, New Delhi 1973.
[23] . انظر
الفتوحات المكية ج3 ص494، وكذلك فصوص الحكم؛ الفص 4، مع شروح عفيفي ج2ص 52 و162.
[24] . انظر
شروحات د. سعاد الحكيم ص 426 و1149، على الفتوحات ج4/86 وعلى الفصوص، فص 10.
[25] . ليست
أساطير الطوفان وحدها التي أخبرتنا عن أحداث الدمار والكوارث التي ألمت بالحضارات
القديمة. فهناك أساطير دمار أخرى ولكنها لا تحكي عن فناء شامل للحياة على الأرض بل
دمار جزئي يتوقف قبل أن يقضي على الحياة قضاء مبرما. انظر: فراس السواح، مغامرة العقل
الأولى، الطبعة السابعة ص 198.
[26] . أندرولانغ
(بالإنجليزية: Andrew Lang) (1844 –
1912 م) هو شاعر، وصحفي، وعالم أنثروبولوجي، ومترجم، وكاتب، ومؤرخ، وناقد أدبي من المملكة
المتحدة.
[27]. Andrew Lang. Myth, Ritual and religion, New York 1968.
تعليقات
إرسال تعليق