الأصول العميقة لتكوين الوعي وعلاقتها بميكانيك الكم
الوعي هو حالة
الإدراك والاستجابة لما يحيط بالإنسان من مؤثرات، وهو أيضًا إدراك العقل لنفسه
وللعالم. لا يزال الوعي لغزًا غامضا مثيرًا للجدل على الرغم من آلاف السنين من
التحليلات والتعريفات والتفسيرات والجدل المنعقد بين الفلاسفة والعلماء، مع أنه
أكثر ما نعيشه ألفةً وغموضًا.
يعتقد البعض أن
الدماغ، وهو المادة الرمادية التي تسكن الجمجمة وتزن في المتوسط كيلوغرامًا ونصف،
هو المسؤول عن ظهور الوعي من خلال العمليات الكهروكيميائية التي تحدث داخله وتؤدي
أساسا إلى إدارة الأعمال الميكانيكية الحيوية للكائن الحي، مثل الحركة وامتصاص
الطعام وتحويله إلى طاقة مفيدة… إلى آخر الأعمال الضرورية لاستمرار الحياة من جهة،
ولإنتاج الوعي اللازم لمعرفة العالم الخارجي والتفاعل معه من جهة أخرى.
يمكن
تشبيه الدماغ بحاسوب فائق القدرة يعالج المعلومات التي يتلقاها من الحواس
والجسم، ثم يعيد إرسال الرسائل اللازمة من جديد إلى كافة أعضاء وخلايا الجسم. ولكن
الدماغ يمكنه القيام بأكثر من ذلك بكثير: فالبشر يفكرون ويمتازون بالعاطفة التي
تتفاعل مع المواقف المختلفة من سعادة وحزن وغضب واهتياج، وهو جذر الذكاء البشري
الذي يعطيه سمته الإنسانية.[1]
إن الجزء من الدماغ الذي يتحكم بالعواطف هو الجهاز الحوفي (limbic system) وهو مجموعة
من الهياكل المترابطة التي تقع في عمق الدماغ، وهي مسؤولة عن الاستجابات السلوكية
والعاطفية. تقوم الخلايا
العصبية في الدماغ، والمعروفة أيضًا باسم العصبونات، بنقل واستقبال الإشارات
الكيميائية والكهربائية. إنها تشكل اللبنات الأساسية للدماغ وتعمل كحاملات
للمعلومات لجميع عصبونات الجسم وعضلاته وأنسجته.
يتكون دماغ الإنسان من حوالي 100 مليار عصبون (neuron)، وهو تقريبًا عدد النجوم نفسها في مجرة درب
التبانة[2].
خلال مراحل معينة من تطور الدماغ، يُضاف حوالي 250,000 عصبون كل دقيقة. يحدث هذا
الإنشاء السريع للعصبونات في الجنين ويساهم في البنية المعقدة للدماغ البشري. ومع
ذلك، تجدر الملاحظة أنه بحلول وقت الولادة، تكون جميع عصبونات الدماغ تقريبًا موجودة
بالفعل. يستمر الدماغ في النمو لبضع سنوات بعد الولادة، ليصل إلى حوالي 80% من
حجمه البالغ عند عمر سنتين.[3]
إن وظائف الأعصاب، وبالتالي السلوك، تتحدد بعدد الخلايا العصبية وتوزيعها
النسبي في مناطق الدماغ المختلفة. يوجد في الدماغ البشري حوالي 85 مليار خلية غير
عصبية، معظمها خلايا دبقية (glial
cells) تدعم وتعزل الخلايا العصبية.[4]
من الأسئلة المعقدة والمثيرة للجدل السؤال حول كيفية تطور الوعي وعلاقته
بالخلايا العصبية في الدماغ وعلاقة كل ذلك بميكانيكا الكم. هناك فرضيات ونظريات
مختلفة تحاول معالجة هذا السؤال، لكن لم يتم إثبات أي منها بشكل قاطع أو قبولها
على نطاق واسع.
يمكن تحديد العناصر الأساسية التي تشكل جزيئات الدماغ البشري وبالتالي
الخلايا العصبية بشكل أساسي، (بما في ذلك الماء)، بالعناصر الأولية التالية: (الكربون،
الهيدروجين، النيتروجين، الأكسجين، الفوسفور والكبريت)[5].
إذا قمنا بفحص أعماق بنية ذرات هذه العناصر، سنكتشف أنها تتكون من الدقائق الذرية
المعروفة وهي: إلكترونات، هدرونات، وليبتونات بنسبة 0.1%، وأن النسبة المتبقية
99.9% من هذه البنية الدقيقة هي فراغ. إن الأجزاء المكونة للذرة منتشرة في جميع
أنحاء الدماغ كموجات من الطاقة، مما يجعل من المستحيل علينا تحديد مكانها بدقة.
بدلاً من ذلك، يمكننا فقط التكهن بمكان وجودها لأن الدقائق الذرية تجمع بين خصائص
الكتلة والموجة.
بالعودة إلى ميكانيكا الكم، هذا العلم الذي يفسر سلوك المادة والطاقة على
أصغر المقاييس، نجد بعض العلماء يفترضون أن ميكانيكا الكم قد يفسر طريقة عمل
الدماغ، وأن هذا التفسير قد يوضح نشأة بعض جوانب الوعي والإدراك وعملية التعلم،
ومع ذلك، يظل هذا الموضوع غارقًا في الجدل والتكهنات، دون وجود أي دليل قاطع أو
إجماع داخل المجتمع العلمي حول أهمية أو ضرورة التأثيرات الكمومية في عمل الدماغ.
إذا لم تكن الخلايا العصبية في الدماغ ولا مكوناتها من الجسيمات الذرية
الأصغر هي التي تحدد الوعي، فكيف يظهر هذا الوعي إلى الوجود؟
وفقًا للعلماء، فالوعي ليس شيئًا يحدث داخل الدماغ بحد ذاته، بل هو نتيجة
لنشاط الدماغ. يشبه ذلك الموسيقى التي تنتُج عند تشغيل الأسطوانة؛ فعلى الرغم من
أننا نجد فقط الخدوش والأخاديد على القرص، فإننا غالبًا ما ندعي أن الموسيقى
موجودة هناك. من المستحيل عزل الوعي في منطقة واحدة من الدماغ، بدلاً من ذلك فإنه
النتيجة النهائية لتعاون مليارات الخلايا العصبية في الدماغ. وما تجاربنا اليومية إلا
أدوات تثبت أسس الوعي.
في عالم مكونات الذرة، تتحول الأجسام المادية إلى أنماط
موجية احتمالية، وهذه الأنماط الاحتمالية لا تمثل احتمالات لأشياء بل احتمالات لعلائق
متبادلة فلا يمكن فهم الجسيمات المكونة للذرة ككيانات مستقلة وانما كعلاقات وتوقعات
لما يمكن أن يحدث في هذا العالم الدقيق، وبذلك تطلعنا نظرية الكم على الوحدة الضمنية
للكون بإظهارها عدم إمكانية تجزئة العالم إلى مكونات متناهية في الصغر تتمتع بوجود
مستقل عن الكل وان هذا الكل ليس إلا نسيجا متصلا من العلاقات التي تكونه. أما الوعي
الإنساني فليس إلا جزءا من هذه العلاقات الشمولية التي تنتهي عندها أية حادثة وتتخذ
معناها. تطلعنا الفيزياء الكمية كما رأينا على أمر في غاية الغرابة، وهواننا لا نستطيع
رصد شيء في العالم الجسيمي دون أن تؤدي عملية الرصد إلى إحداث تغيير فيه، فالمراقب
وموضوع المراقبة يتداخلان في علاقة وثيقة متبادلة، أي أن ما نحصل عليه من خلال المراقبة
ليس معلومات موضوعية عن العالم الخارجي بل معلومات عن تفاعلنا معه وتداخلنا فيه،
فالضوء مثلا بحاجة إلى الوعي كي يُظهر خواصه، لكن هذا القول يقودنا إلى الاعتراف بأن الوعي الذي
يتفاعل مع الضوء، يحتاج بدوره إلى الضوء وغيره لكي يتلمس خصائصه الذاتية، وفي هذا يقول
العالم بوهر: "إننا لا نستطيع أن نعزو الوجود الحقيقي المستقل بالمفهوم الفيزيائي
المعتاد إلى الظاهرة المرصودة، ولا إلى القائم بالرصد أيضا ، ذلك أن عالمنا الذي نعيش
فيه لا يتألف من أشياء بل من علاقات وتفاعلات متبادلة بين الظواهر والراصد، وأن الخصائص
ليست من طبيعة ما يظهر على أنه شيء، بل من طبيعة الروابط التي تتوسع في شبكة منسوجة
بإحكام لتشمل الكون كله".[6]
وفي هذا يقول هايزنبرغ: "إن العلوم الطبيعية لا
تقوم بمجرد وصف وتفسير للطبيعة، بل هي جزء من ذلك التفاعل بيننا وبين الطبيعة"[7].
ويقول أيضا:
"إن ما نرصده ليس الطبيعة في ذاتها، بل الطبيعة
كما تتبدى لطرائقنا في استجوابها".
بناء على ذلك فقد قدمت الفيزياء الكمومية مفهوم (المشارك)
ليحل محل مفهوم (الراصد) أو (المراقب)، وهناك بوادر منذ الآن تدل على ضرورة تضمين الوعي
الإنساني في أي وصف فيزيائي للعالم. كما بينت الفيزياء الكمومية أيضا أن الجسيمات المكونة
للذرة هي بحد ذاتها حوادث، ولا وجود لها إلا في علاقتها مع بعضها، وهذا يعني بشكل ما
أن كل جسيم من مكونات الذرة ينضوي على الأجزاء الأخرى.
"في
سماء (إندارا)، هنالك شبكة عقدها من أحجار كريمة، نُسجت بطريقة تجعل الناظر إلى أحد
أحجارها يرى كل أحجار الشبكة منعكسة فيه. كذا هو حال الكون؛ إن كل شيء فيه ليس نفسه
فقط، بل يحتوي على كل شيء آخر".
لدى تفاعل جسيمين ذريين ثم انفصالهما، لا نستطيع اعتبار
أي منهما كيانا حقيقيا مستقلا، لأن حقيقة كل منهما لا تنبع منه، بل من صيغة الترابط
التي تجمعه إلى غيره، ذلك أن جميع الجمل الكمومية عبر الكون كله مترابطة معا لتشكل
كلا غير قابل للتجزئة، هو المستوى الوحيد الذي يمكن لنا عنده التفكير بالحقيقة.
في عام 1964 نشر الفيزيائي الإيرلندي (ج.س بيل J.S. Bell) برهانا رياضيا طوره فيما بعد إلى نظرية رياضية شديدة التعقيد خلاصتها
أن الأجزاء المؤلفة للكون تلتقي مع بعضها عند المستوى الأساسي والعميق للوجود وتتصل
ببعضها مباشرة وكأنها تذوب في لجّة لا تمايز بين أجزائها وان العمليات الأساسية للطبيعة
تقع خارج الزمان والمكان، ولكنها تولد حوادث تقع في الزمان والمكان. هذا يعني أن الحوادث الفيزيائية سواء على المستوى الجسمي
الملموس أو المستوي الجسيمي دون الذري لا تجد أسبابها عند ما نراه أو نلمسه بالتجريب،
بل في مستوى أعمق لا تستطيع التجارب الوصول إليه، وهذا ما يسميه الفيزيائي (دافيد بوهم
David Bohm) بالكمال المتواصل (Unbroken Wholeness)[8]
، وتقوم فكرة بوهم على أن الظواهر الكمومية لا يمكن فهمها إلا إذا توقفنا عن النظر
إلى مواضيع منفصلة باعتبارها الوحدات الأساسية للدراسة وحولنا اهتمامنا إلى الكل، أي
إذا فهمنا العالم على أنه كل متكامل غير قابل للتجزئة، بعكس المفهوم التقليدي عن كون
مؤلف من أجزاء ذات وجود مستقل ومنفصل، فهذه الأجزاء ليست إلا أشكالا عرضية في ذلك الكل.
يعتبر بوهم العالم الذي نعيش فيه عالما متعدد الأبعاد،
وليس المستوى الذي تجري ضمنه حياتنا اليومية إلا المستوى السطحي للوجود، وهو مستوى
ذو أربعة أبعاد، يدعوه (بوهم) بالمستوى المنبسط (Explicate (Order، ورغم أن هذا المستوى السطحي الظاهري يمكن وصفه اعتمادا على مظاهره
وحدها، إلا أن فهمه لا يتيسر لنا إلا باختراقه نحو المستوى الأعمق للوجود، وهو المستوى
الذي يشكل الخلفية الشاملة التي تقوم عليها خبرتنا الفيزيائية والنفسية والطبيعية.
هذان المستويان يتبادلان الظهور والخفاء في حركة جريان كلية مستمرة، ينبسط جزء من هذا
الجريان على السطح ليعطي أشكالا ذات استقرار نسبي ولكنها متجذرة في ذلك الجريان السفلي
غير المنظور، وإن ميكانيك الكم ليس إلا وصفا لهذه الحركة الشاملة (whole movement).
إن النتائج الضمنية لكل من النظرية النسبية والنظرية
الكمومية تظهر الحاجة إلى رؤية العالم ككل تندمج فيه الأجزاء وتتحد، في هذا الكل تعتبر
النظرية الذرية للمادة نوعا من التبسيط والتجريد يصلح فقط ضمن مجال محدد، أما الرؤية
الجديدة فيمكن أن ندعوها بالشمولية في حركتها الجارية (Undivided (wholeness in flowing
movement ... في هذا الجريان لا يمكن اعتبار المادة والعقل
جوهرين منفصلين بل وجهين مختلفين لحركة شمولية متصلة.
لقد أوصلتنا الفيزياء الحديثة إلى أخطر اكتشاف يتعلق
بموضوع المعرفة، وهوان كل القوانين التي ظننا دوما أنها تحكم العمليات الطبيعية ، ما
هي في الواقع إلا ابتكارات ذهنية تساعدنا على فهم الطبيعة، من هنا فإن كل ما نراه من
قوانين فاعلة فيما حولنا هو تقريب لفهم موضوع معين، ومن جهة أخرى فقد وحدت الفيزياء
الحديثة بين طرفي المعرفة أي الراصد وموضوع الرصد لأن المراقب الإنساني يساهم مباشرة
في تعيين صفات و خصائص الموضوع المادي الذي لا يوجد بعيدا عن الوعي، وبذلك سقطت الموضوعية
العلمية القديمة لأن المراقب أصبح متصلا بالظواهر التي يراقبها إلى درجة التأثير فيها.
[1] . How does the brain work? - InformedHealth.org
- NCBI Bookshelf. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK279302/.
[2] . Equal numbers of
neuronal and nonneuronal cells make the human brain an .... https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/19226510/.
[3] . Lecture 4 BRAIN
DEVELOPMENT - fac.ksu.edu.sa.
https://fac.ksu.edu.sa/sites/default/files/lecture_4_brain_development.pdf.
[4] . Human brain - Wikipedia.
https://en.wikipedia.org/wiki/Human_brain.
[5] . Brain Anatomy and How
the Brain Works | Johns Hopkins Medicine.
[6]. N. Bohr, Atomic Physics and the Description of Nature, Cambridge
1934.
[7] .
Werner Heisenberg, physics and Philosophy, New York, Harber, 1958.
[8] .
الشرح التالي لأفكار بوهم يستند إلى كتابه:
David Bohm, Wholeness and the
Implicate Order, Ark, London 1984.
تعليقات
إرسال تعليق