صعود الغرب وتراجع الشرق

 

إن ما يُغني حركة التاريخ بالعطاء والإبداع هو سيل التمازج الحضاري والإنساني المتنوع الذي يرفدها من كل جانب، من الشرق ومن الغرب، بعكس الفكرة التي يروج لها الغرب من أن الحضارة المعاصرة تقوم على أكتافه وحده. لقد خُدعت بمفهوم الغرب هذا كثير من الشعوب والأمم المنتمية إلى حضارات ضاربة في القدم فانخرطت في هوامش الحضارة الغربية متوهمة أنها بذلك تسبح مع التيار الجارف لحركة التاريخ نحو الأمام. الحقيقة أن مثل هذه الشعوب لم تبذل أي جهد أو عناء في نقد وتجديد بناها التاريخية التي أدت بها إلى الركود و عدم مجاراة الركب العلمي والتقني الهائل الذي شهدته المئون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من السنين، بل عمدت إلى مجرد تقليد ما يحدث في الغرب تقليداً زائفاً أعمى دون الخوض في مضمونه، ونسيت أصالتها وهويتها، بل أخذت في فبركة وتحوير عوامل هويتها مراءاةً للغرب؛ فجعلت الصلاة رياضة، والصوم صحة ... وافرغت هذه الشعائر وغيرها من مضامينها الروحية العميقة الفاعلة في المجتمع، فما فائدة الصلاة مثلا إذا اقتصرت على أن تكون رياضة شخصية دون أن تكون فعلا وتفاعلا ايجابيا في التعامل مع المجتمع؟ وما فائدة الصيام إذا اقتصر على كونه حمية يؤديها الصائم لتحسين أدائه البيولوجي وفقد دوره في أن يكون دعوة إلى التكافل الاجتماعي؟ وما فائدة الصدقات التي يؤديها الأغنياء إذا كانت نفاقا لتحسين موقفهم الاجتماعي أو كانت لترويج مشاريع تهمهم. بالملخص فقد أُفرغ الدين من محتواه الروحي والاجتماعي وأصبحت شعائره حركات وكلمات وألحان تؤدى في قاعات (العبادة) المخصصة لها، كما تُؤدى رقصات الموضة في قاعات (الرقص).  

لقد نسي مثقفو الشرق تراثهم وثقافتهم وحاولوا الالتصاق بدون مبرر بثقافة الغرب فأصبحوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل أصبحوا ريشة في مهب ريح تتلاعب بهم كيف تشاء. أما كيف وصل الشرق إلى ما هو عليه، فنجده في صفحات التاريخ القريب:

مع بداية عام 1492 سقطت غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس مسجلة بذلك نهاية حكمهم الذي دام مدة تقارب ثمانية قرون. لكن الإسلام كان لا يزال في عنفوانه كأعظم قوة عالمية، ولم يكن عدد المسلمين يزيد على نحو ثلث عدد سكان الأرض موزعين في ثلاث إمبراطوريات في أوائل القرن السادس عشر تمتد رقعتها على معظم أرجاء العالم القديم؛ وهي: الإمبراطورية العثمانية في آسيا الصغرى والأناضول والعراق وسورية و شمال إفريقيا، والدولة الصفوية في إيران،  والإمبراطورية المغولية في شبه القارة الهندية، و كانت الإمبراطوريات الثلاث جميعها من أولى المؤسسات الحديثة آنذاك تديرها حكومات ذات نظم عقلانية بيروقراطية دقيقة و ثابتة وتتمتع بحركة ثقافية موازية للنهضة الأوروبية الناشئة، فكان القرن السادس عشر هو عصر عظمة العمارة العثمانية، و فنون الرسم والتصوير الصفوية، وبناء تاج محل مثلا في  شبه القارة الهندية. ومع ذلك وبالرغم من سير هذه المجتمعات جميعا في طريق التحديث فإنها لم تُقدم على أية إجراءات جذرية، ولم تشارك في الفكر الثوري الذي أصبح السمة المميزة للثقافة الغربية في القرن الثامن عشر، بل كانت تتميز بروحٍ محافظة، وهذه الروح هي الطابع الذي امتازت به كل المجتمعات في عصر ما قبل الحداثة، بما في ذلك المجتمع الأوروبي. أما اليوم فإن المجتمع المحافظ يواجه المتاعب فهو في الغالب يقع بين مطرقة الفكر الغربي المعاصر وسندان الموروث من أوراق صفر استعصت على التجديد. بالنسبة للإسلام مثلاً فإن ما تناولته أحاديث وسنة الرسول محمد (ص) بمجمل صحاحها مثلاً لا يعود بالنفع اليوم على عموم المسلمين الذين اختلفت أقطارهم وبيئاتهم، هؤلاء يمكنهم أخذ ما يلزم من الحديث بالقياس وليس بالالتزام الحرفي بما جاء فيه، ولا بد من الاهتمام بأمور أكثر إلحاحا من طريقة دخول الحمام أو قيادة المرأة للسيارة، كأن توجد فتاوى لطريقة الصيام في الأسكيمو مثلا التي يمتد فيها النهار ستة أشهر مقابل ستة لليل.

من المهم إذا أن نفحص تلك الروح المحافظة عندما كانت في ذروتها في هذه الإمبراطوريات الإسلامية حتى نفهم سر جاذبيتها ونقاط قوتها وبذور القصور الكامنة فيها والتي أدت إلى تخلفها عن اللحاق بركب الحضارة الحديثة.

كانت جميع الحضارات تعتمد في المجال الاقتصادي على فائض الإنتاج الزراعي، وبما أن هذا الإنتاج يرتبط بموارد الأرض المحدودة، فقد أدى ذلك بالتالي إلى محدودية إمكانيات التنمية وانغلاق آفاق التجديد المستمر بالنسبة للمجتمعات الزراعية، لكنه أصبح من مسلمات الحضارة المعاصرة في سعيها إلى التقدم بلا حدود متسلحة بالعقل و العلم و العمل، وقد ترافق ذلك مع تغيير في البنى الاقتصادية الأساسية أدى إلى تنوع موارد الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري و جعله أكثر مرونة، كما ترافق مع التقدم التكنولوجي المتسارع مشفوعا بكثير من المخترعات التي غيرت شكل ومضمون العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا فلم تكن النزعة المحافظة في مجتمعات ما قبل الحداثة نتيجة خوف أو تردد بل نتيجة واقع اقتصادي محدود، لقد انعكست هذه النزعة المحافظة على جوانب الحياة الأخرى؛ فكان التعليم مثلا يعتمد على الحفظ وليس على الأصالة، ولم يُشجَّع طلاب العلم على الإبداع فالمجتمع لم يكن مهيأً لتقبل أفكار جديدة قد تؤدي إلى زلزلة اجتماعية تعرضه للخطر، فالاستقرار الاجتماعي والنظام اعتبرا أهم من حرية التعبير و الإبداع الذي وُصف بالبِدَع في المجتمعات المحافظة. لقد كان استعمال الدراجة الهوائية في شوارع الدولة العثمانية مثلا بدعة وقد أُطلق عليها اسم "سيارة الشيطان".

لم تكن مجتمعات ما قبل الحداثة تتطلع إلى المستقبل كما هو الحال اليوم بل كانت تقف على أطلال الماضي مستلهمة أمجاده التي لا يد ولا علاقة لها فيها، يلخص ذلك القاعدة التي ابتدعوها في أن خير القرون قرن رسول الله (ص) ثم الذي يليه، فالذي يليه،  وبذلك فقد انتصر النقل على العقل واغلقت أبواب الاجتهاد الذي يعني إعمال العقل في ما لم يرد فيه نص صريح من القرآن أو السنة، مكتفين بما تراكم لديهم من نصوص اعتقدوا أنها تفسر الطبيعة والعالم والتاريخ، واوقفوا كل محاولة للخروج بحلول جديدة للمشاكل التي لا بد وان تظهر مع تقدم التاريخ معتبرين ذلك من عوامل تشتيت الأمة ومصادر الخطر عليها شأنها في ذلك شأن الهرطقة أو الخروج على العقيدة في عصور الظلام في الغرب المسيحي.

هذا التصور يتناقض تماما مع روح الحداثة والتطور والتخلص من قيود التقاليد القديمة التي تعيق الاختراع والإبداع التي نادى بها الإسلام نفسه: "بَلْ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ" الزخرف - 22، ويدعم بطريقة غير مباشرة استمرار العلاقات الاجتماعية القائمة في المجتمعات الزراعية الإسلامية والتي استعصت على مواكبة الثورة الصناعية التي كانت في بدايتها في الغرب آنذاك.

لقد سعى المسلمون في الإمبراطورية العثمانية السنيّة على وجه التحديد، والتي كانت أقوى دولة مسلمة إلى بناء عصر ذهبي يشبه عصر النبي محمد (ص) و خلفائه الراشدين الأربعة الذين حكموا المجتمع واداروا الدولة، فكان محمد (ص) رسولا نبيا ورأسا سياسيا للدولة والمجتمع في الوقت نفسه، وكان القرآن يؤكد على العدل والمساواة جنبا إلى جنب مع التوحيد، وكانت إقامة مثل هذه الدولة تتطلب الجهاد الذي تضمن جهاد النفس والنضال وبذل الجهد على جميع الجبهات الروحية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بالدرجة الأولى قبل أن يكون دعوة إلى حرب كونية مقدسة كما أسيء فهمه من قبل بعض الجهات الأصولية لاحقا، بحيث تتحقق إرادة الله على الأرض في العدل والمساواة ويستطيع المسلمون تحقيق التكامل الشخصي والمجتمعي الذي يشعرون من خلاله بالوحدة الاجتماعية من جهتهم وبالوحدانية لله تعالى، وبهذا تصبح السياسة في نظر المسلم الحق نشاطا لا بد من إضفاء القداسة عليه حتى يصبح سبيلا إلى الله.

بحلول نهاية القرن الثامن عشر كانت أوصال الإمبراطوريتين العثمانية والإيرانية قد تفككت واستسلمتا للمصير المحتوم الذي تواجهه كل حضارة زراعية تنضب مواردها، لكن الروح المحافظة كانت تساعد الناس على قبول أوجه القصور في ذلك المجتمع على أعمق المستويات، مع ذلك فقد ألهمت روحانية المجتمع الناس فحققوا انجازات ثقافية وسياسية عظمى في العالم الإسلامي عرفها الغرب مع بداية الحداثة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة وحرية الفرد بما لا يسيء للآخرين والروحانية ذات العمق الإنساني ... لكن بعض الجوانب الأخرى للحداثة صعُب قبولها لدى من تمسكوا بروح المحافظة، ففي نهاية القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد تخلف عن أوروبا في مضمار العلم الحديث، كما أن الضعف السياسي الذي دب في أوصال الدولة الإسلامية جعلها عرضة لتدخل الدول الأوروبية التي كانت تسعى للهيمنة على العالم، فقد امتدت سيطرة انكلترا إلى الهند واصبحت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، و صممت فرنسا على إنشاء إمبراطورية منافسة لها وقطع الطريق عليها إلى الهند، و في يوم 19 مايو (أيار) 1798 أبحر نابليون بونابرت من ميناء طولون جنوب فرنسا على رأس حملة تتكون من 38000 رجلا و 400 سفينة عبر البحر المتوسط فوصل إلى السواحل المصرية في أول يوليو (تموز) وأنزل 4300 مقاتلا على شاطئ الإسكندرية واحتل المدينة صباح اليوم التالي، و كان نابليون قد أحضر معه حشدا كبيرا من العلماء والباحثين ومكتبة زاخرة بالآداب الأوروبية الحديثة ومختبرا علميا ومطبعة ذات حروف عربية، وبذلك فقد دخل العالم الإسلامي نقطة انعطاف بتمازج حضارته مع الحضارة الغربية.

كانت هذه الفترة فترة تحول في الغرب المحافظ، فَقِد الناس فيه الإيمان بالكنيسة الرسمية، بعد أن دفعت تصرفات الكنيسة العنيفة ضد العلم والعلماء وحرقهم أو نفيهم واتهام الكثيرين منهم بدون مبرر معقول بالهرطقة وإحالتهم إلى محاكم التفتيش قبل ذلك في القرون الوسطى، وكان الناس يستشعرون خوفا غامضا ويدركون أنهم لن يستطيعوا أن يمارسوا الدين بالأسلوب القديم، ومع ذلك فقد كانت تلك الفترة فترة اكتشافات وبعث جديد في أوروبا، فقد أسفرت الاكتشافات المتكررة عن بَدْء الاستعمار الأوروبي للأمريكيتين، ففي 3 أغسطس (آب) 1492م أبحر (كريستوفر كولومبوس) في المحيط الأطلسي بثلاث سفن، تحمل العلم الإسباني وبـ (120) بحاراً بعد أن أقنع الملكين فرناندو وإيزابيلا بمشروعه للوصول إلى الهند بالإبحار غربا، وبالفعل فقد وصل في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) من السنة نفسها إلى جزر الأنتيل في أمريكا الوسطى معتقداً أنه دخل بعض الجزر الآسيوية القريبة من الهند، لذلك أسموها في البداية بجزر الهند الغربية؛ إلى أن سافر إليها فيما بعد البحار الإيطالي (أمريكو فسبوشي) ليعلن لأوربا أن كولومبوس إنما اكتشف "عالماً جديداً" أُطلق عليه اسم "أمريكا" نسبة إلى اسمه. و كان الفلكيون يفتحون مغاليق السموات ويحددون موقع الأرض والشمس في الكون مخالفين بذلك ما جاء به أرسطو وأيدته الكنيسة في العصور المظلمة السابقة، و كانت وسائل التقنية  الجديدة توضع في خدمة الناس تباعا لتحسن الاقتصاد وتزيد رفاه المجتمع، فقد شهدت تلك الفترة ظهور مخترعات متخصصة مثل البوصلة والتلسكوب والعدسة المكبرة التي ساهمت في تحسين الخرائط والأساليب البحرية و رصد البكتريا وغيرها من الكائنات الصغرى لأول مرة، ولم تقتصر الأساليب العلمية الجديدة على تجميع العلوم والمعارف بل تعدتها إلى تفريغ أحداث الحياة من محتواها الأسطوري الذي كان سائدا، وازداد الاهتمام بالمرافق الصحية، واستطاع الأطباء التعرف على كثير من الأمراض ووصف العلاج لها، كما تطورت علوم الأرض وامكن تفسير بعض الظواهر كالزلازل والبراكين بالاعتماد على الدراسة والعلم بدلا من الأسطورة، وتحسنت الآلات الميكانيكية كالساعات الكبيرة وساعة اليد، واصبح ينظر إلى الزمن نظرة علمية، وبشكل عام فقد ازدادت الثقة بالمستقبل وما يخبئه للإنسان من رفاه وازدهار، و في أوائل القرن لثامن عشر بدأ الناس في أوروبا يمارسون التأمين على الحياة كدليل على ثقتهم بالمستقبل. وقد أثبتت الثقافة الجديدة للعالم المسيحي الغربي أنهم يستطيعون الخروج عن حدود المألوف دون أن يتعرضوا لمحاكم التفتيش، طالما أن في هذا الخروج ازدهار لهم، وأن ازدهار المجتمع وتقدمه لا يمكن أن يكون عن طريق الروحانيات وحسب بل من خلال الإبداع والعمل، وأن مال قيصر لقيصر وما لله لله، فلا يجوز الخلط بين المملكتين، وبالرغم من كل ذلك فقد كان الكثيرون من المستكشفين والعلماء والمفكرين يبحثون في لحظات التحول الحاسمة عن طرائق جديدة للتدين لا لإلغاء الدين.

لقد أدى تراكم المكتشفات العلمية إلى تهديم منطق الروح القديم بالتدريج، وهيأ الكثيرين لتقبل أفكار جديدة عن الله والدين والدولة والفرد والمجتمع، لكن عملية التحديث هذه مرت بكثير من أعمال العنف والحروب المدمرة والصراعات الدينية الكريهة، مثلها في ذلك مثل الأحداث الدامية التي نشهدها في بعض البلدان النامية التي تمر بمرحلة التحديث اليوم.

استعان الغرب بالاقتصاد الرأسمالي الناشئ على إبدال وتجديد موارده بلا نهاية، وأصبح حصينا آمنا من التأثر بالحدود والقيود التي تعيش في ظلها المجتمعات القائمة على الزراعة فقط.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلم تقتصر الموارد المادية التي اعتمدتها المجتمعات الأوروبية على الموارد الزراعية كما حصل في الشرق، بل تعدتها إلى الموارد التجارية والصناعية التي ترافقت مع كثير من الإبداع والاختراعات شجع على ظهورها حرية الرأي وتشجيع العلم والعلماء ... 

إن السير في هذا الطريق تطلب توفير التعليم التقني لعدد أكبر من الناس، وتمكنت أعداد متزايدة من العمال من القراءة والكتابة وبالتالي من المشاركة في إدارة الدولة والمجتمع وانتقلت بذلك من هامش المجتمع إلى المساهمة في صنع الديمقراطية، وأصبحت المثل العليا للديمقراطية وحقوق الإنسان من ثمار الحداثة التي اقتضتها ضرورات التغيير الاقتصادي، فبدونها لا يمكن السير إلى الأمام.

لقد كانت فترة البعث هذه مثيرة ساحرة ولكنها كانت فترة تغيرات جذرية في الوقت نفسه حاول الناس استيعابها عن طريق الدين، لكن الأشكال القرون أوسطية القديمة للدين لم تعد تتماشى مع  الظروف التي كانت آخذة في التغير دون هوادة، و كان المطلوب تحقيق المزيد من المرونة والانسيابية في الخطاب الديني ليتماشى مع المستجدات، فكان المصلحون من البروتستانت شأنهم في ذلك شأن المصلحين المسلمين الذين سبقوهم في ذلك، يحاولون إيجاد حلول جديدة بالعودة إلى الماضي، فكان كل من مارتن لوثر (1483-1556) و جون كالفن (1509-1564) وهالدريتش زفنجلي (1484-1531) ينظرون إلى الخلف باسم العودة إلى المنبع الصافي للتقاليد المسيحية، و كما حاول ابن تيمية العودة بالإسلام إلى صورته النقية في القرآن والسنة فقد قام لوثر بمهاجمة اللاهوتيين المدرسيين من القرون الوسطى وحاول أن يرجع إلى المسيحية النقية في الكتاب المقدس والى آباء الكنيسة الأولى، فكان المصلحون البروتستانت مثل المصلحين المسلمين المحافظين، ثوريين و رجعيين في الآن ذاته، أي لا يمكن وصفهم بأنهم ينتمون إلى عالم الحداثة المقبل بل يمكن وصفهم بأنهم مبشرين بعهد جديد تنتمي جذوره الراسخة إلى العهد القديم، على سبيل المثال فإن فرنسيس بيكون (1561-1626) الذي ارتكزت النهضة العلمية في أوروبا إلى أفكاره كان من جهة يؤكد أن جميع الحقائق حتى أقدس الحقائق الدينية، يجب أن تخضع للأساليب النقدية الصارمة للعلم التجريبي، فإذا ظهر تناقض بين الحقائق التي ثبتت صحتها مع غيرها، فيجب نبذ الأفكار الأخرى بغض النظر عن قدسيتها، ومن جهة أخرى نجده لا يرى أي تناقض بين الكتاب المقدس والعلم، و كان يطالب بالحرية الكاملة لرجال العلم قائلا: إن أهمية عملهم للجنس البشري أكبر من أن يعيقها السذج من تجار الدين، و كان كتابه الموسوم بتقدم المعرفة (1605) بمثابة إعلان استقلال من جانب العقلانية العلمية التي كانت تسعى للتحرر من منطق الروح وتعلن أنها الوحيدة القادرة على فتح باب الحقيقة أمام البشر، لذلك نجد أن ديكارت لم يكن على استعداد لقبول الأفكار الشائعة، و كان يقول أن على العالم أن يجعل ذهنه خاليا من كل الأفكار التي انتهت إليه عن طريق المجتمع، وان لا يطمئن إلا إلى المعرفة الفطرية، فالمعرفة الفطرية التي تقول أن زيدا لا يمكن أن يكون عبيدا مثلا في الوقت نفسه ، حقيقة لا يمكن نقضها أو الجدل حولها.

ولديكارت مقولته الشهيرة: "أنا أفكر فأنا موجود" التي يعتبرها من البديهيات، الأمر الذي اجتذب كنط لاحقا لاختبار إمكانيات العقل وحدود احتماله.

وهكذا، فبينما كان العلم والعقل يحرزان التقدم والأولوية في سباق المعرفة والاكتشاف، كانت الحياة تفقد معناها لدى أعداد من الناس تتزايد يوما بعد يوم، وقد وجد الكثيرون أنفسهم مضطرين لأول مرة في تاريخ البشرية إلى العيش حياة لا روح فيها.

ولكن ذلك لم يكن يسري على الجميع، إذ أن (جون لوك: 1632-1704)، وهومن أوائل فلاسفة التنوير الفلسفي لم تكن تساوره الشكوك في وجود الله، وكان يدرك أن المعايير التي وضعها فرنسيس بيكون باعتبار الحقيقة لا يمكن أن تخرج عن نطاق حواسنا الخمسة لا يمكن تطبيقها على الإله الذي خلق الطبيعة أصلا، و كان الدين لدى لوك يقوم على العقل الذي اعتقد بقدرته على الكشف عن الحقيقة بنفسه إذا تخلى الفرد عن الأسطورة والخرافات التي فرضها القساوسة على الناس بالقوة، و على الدولة أن لا تتدخل في عقائد الناس و على الكنيسة أن تنفصل عن الدولة، وقد ألهمت هذه المفاهيم الناس فيما بعد نموذجا للدولة الحديثة العلمانية المتسامحة وشارك الفلاسفة الألمان والفرنسيون أيضا في مباركة هذا الدين العقلاني أي الإيمان بالله وحده دون وساطة من أنبياء أو كتب مقدسة أو قساوسة و كهان، فهذه الأديان القديمة بحسب رأيهم قد عفا عليها الزمن، وإن فكرة الوحي والتنزيل فكرة خيالية يجب نبذها. يقول المؤرخ الألماني هيرمان صموئيل رايماروس (1694-1768): إن عيسى لم يزعم يوما أنه الله أو ابن الله، واننا يجب أن نبجل عيسى باعتباره معلما عظيما ومؤسسا لدين رائع بسيط و عملي.

من المفارقات العجيبة أن اعتبار العقل المعيار الأوحد للحقيقة قد قوبل بردة فعل من الهوس الديني في أوروبا وأميركا آنذاك، فكان ما يسمى ب(جنون الساحرات) في القرنين السادس عشر والسابع عشر والذي دلّ على أن تنمية العقلية العلمية لا تمنع ظهور قوى الظلام وانتشارها، فانفلتت الغرائز من عقالها وانطلقت جامحة في الوقت الذي بدأ فيه الدين يتخلى عن روحانيته، فقد وُصف جنون الساحرات بأنه نوع من الوهم الجماعي أصاب الرجال والنساء من مختلف الفئات فكان الناس يعتقدون أنهم قد ضاجعوا العفاريت و شاركوا في حفلات شيطانية ماجنة.

وكان المعتقد أن الساحرات يعبدن الشيطان بدلا من الله في ارتكاس ربما يمثل على مستوى اللاوعي رد فعل على الدين التقليدي الذي انهار أمام تيار الحداثة. وقد أدين الآلاف من الرجال والنساء بتهمة ممارسة السحر وكانوا يشنقون أو يحرقون علنا أمام العامة في سبيل إطفاء نيران هذا الجنون.

في تلك الفترة الرهيبة في الغرب وعلى جانبي المحيط الأطلسي انقسم الناس إلى معسكرات تضمر أشد ضروب العداء لبعضها، فاندلعت حرب أهلية بين البروتستانت والكاثوليك في فرنسا بين عامي (1562-1563)، ووقعت مذبحة للبروتستانت عام 1872، وخربت حرب الثلاثين عاما (1648-1618) أوروبا، وفي عام 1642 نشبت حرب أهلية زلزلت كيان انكلترا. وجاءت الثورة الفرنسية عام 1789 لتعلن حقوق الإنسان في العيش الكريم ليتلوها حكم الرعب والإعدام بالمقصلة ولو على الشبهة للمناوئين للثورة في تناقض بيِّن لمُثل التنوير العليا التي جاءت بها وهي الحرية والإخاء والمساواة. واندلعت في المستعمرات الأمريكية حرب السنوات السبع بين بريطانيا وفرنسا حول ممتلكاتهما في هذه المستعمرات (1763-1756) تلتها حرب الاستقلال لأميركا عن انكلترا (1775-1783) التي أدت إلى قيام أول دولة علمانية في العالم الحديث بعد قرنين من العنف والدماء.

في تلك الأثناء بدت الحاجة ملحة إلى عزاء روحي يساهم في التعويض عما حل بالناس من كوارث واحزان فلجؤوا إلى الدين من جديد، ووجد البعض أن الأشكال القديمة للعقيدة لم تعد قادرة على النجاح، فحاولوا التعبير عن المثل العليا للعصر الجديد بأسلوب ديني مثل (جورج فوكس1624-1691)  الذي دعا إلى حركة دينية تعتمد على العقل أو التنوير الداخلي المقدس بدلا من الوحي، و كان أتباعه يسمون الكويكريون المشتقة من الكلمة الانكليزية (Quake) التي تعني ارتعد أو ارتجف لذكر الله في نفسه، ومن مبادئهم أن البشر سواسية وان على الإنسان الاعتماد على نفسه في تحصيل العلم والمعرفة، و على غرار ذلك حاول (جون ويزلي 1703-1791) تطبيق المنهج العلمي على النشاط الروحي، فكان يعلن أن الدين ليس عقيدة في الرأس بل ضوء في القلب.

كان قادة الثورة الأميركية للتحرر من إنكلترا مثل (جورج واشنطن) و (جون صمويل أدامز) و (توماس جيفرسون) و (بنيامين فرانكلين) عقلانيين من رجال التنوير يستلهمون مُثل الحداثة العليا التي وضعها (جون لوك)، وكانوا إلهيين أي يؤمنون بالله فقط كخالق ومدبر للكون لا نستطيع أن نتخيل شكله بل ندرك آثاره في كل شيء من حولنا، ولا يؤمنون بالديانات السماوية ولا الوضعية، و كانت أهدافهم خلال حرب الاستقلال عن انكلترا عملية ومحدودة وهي أن تكون المستعمرات دولا حرة مستقلة، و كان إعلان الاستقلال وثيقة تنويرية أساسها المثل العليا لحقوق الإنسان التي كان (لوك) يدعو اليها وينادي بها، وهي الحق في الحياة والحرية والسعي لتحقيق سعادة الإنسان، والمساواة باسم الله (دون الكتب والرسل) ويضع الخطوط العريضة لبرنامج عمل طويل المدى دون الدخول في تفاصيل السياسة. لكن الواقع أنه كان من العسير الفصل بين الخطاب الديني والخطاب السياسي بل إن التوافق بين الفكرين أتاحت للمستوطنين أن يوحدوا صفوفهم بعيدا عن الخلافات المذهبية والطائفية لمحاربة القوة الاستعمارية لإنكلترا، بالرغم من أن معظم المستوطنين كانوا يستمدون إلهامهم من النبوءات المسيحية التي كانوا في حاجة إليها ليدخلوا في فضاءات الاستقلال السياسي الحديث بتركيبة فكرية متكاملة تقوم على منطق الروح الذي يتيح لهم القوة النفسية لتحقيق ذلك الانتقال العسير، فكان الدين هو الوسيلة التي تساعد الناس على مجالدة مشقات الطريق الوعر إلى الحداثة.

لقد تعاون الآباء المؤسسون و رجال الدين على مختلف طوائفهم على إنشاء جمهورية علمانية حديثة هي الولايات المتحدة الأميركية، لكن كلا الجانبين كان ينتمي من عدة زوايا مهمة إلى النخبة من العالم المحافظ القديم، و كانوا يعتقدون أن مهمتهم أن يقودوا الأمة من مكانهم في القمة ولم يتصوروا أن التغير يمكن أن يبدأ من القاعدة أي من الشعب، واهملوا دور القاعدة الاجتماعية أو الشعبية والقوى البيئية والاقتصادية في إحداث التغيرات المجتمعية الكبرى، و دارت في نهايات القرن الثامن عشر مناقشات مستفيضة حول طبيعة الديمقراطية التي ستحكم في الولايات، وعن مدى السلطة التي يمكن السماح بها للشعب، فكان (جون أدامز) الرئيس الثاني للولايات المتحدة يستريب بأي نظام يمكن أن يؤدي إلى حكم الغوغاء من الشعب وافقار الأغنياء، لكن الثوريين من أنصار (جيفرسون) كانوا ينكرون أن تتكلم الصفوة الحاكمة من الأقلية باسم الأكثرية من الشعب، وان الناس العاديين يجب أن يتمتعوا هم أيضا بالحرية والاستقلال الذين نادت بهما الثورة الفرنسية، فظهرت حركة إحياء جديدة تزعمها بعض من المتخصصين مثل (جوناثان إدواردز) و (جورج هوايتفيلد) و كانا من خريجي جامعتي ييل واكسفورد وبالرغم من ذلك كانا يكرهان العالم الأكاديمي ويؤكدون على أن من حق كل مسيحي أن يفسر الكتاب المقدس بنفسه، دون الخضوع لخبراء اللاهوت، و كانوا يستخدمون في خطبهم اللغة والفكاهات الفظة والتعابير الدارجة التي تفهمها عامة الشعب، و كانوا يعيدون تشكيل صورة المسيحية وتقديمها بطريقة مبتذلة للناس بعيدا عن طقوس القداسة التي تحيط بمثل هذه الشعائر عادة، معتقدين أنه لا ينبغي للناس الالتزام بالتراث الديني للسلف فهم يتمتعون بحرية أبناء الرب ولديهم منطق الفطرة السليمة.

هذا التمرد المسيحي الشعبي على العقلانية العلمية التي أتى بها التنوير كان له أكبر الأثر في أن ينصرف كثير من الأمريكيين عن المذهب الجمهوري التقليدي للمؤسسين ليدخلوا ساحة الديمقراطية السوقية والنزعة الفردية الغليظة التي تميز الثقافة الأميركية اليوم.

لقد نجح أنبياء الصحوة الكبرى الثانية الذين بدؤوا حركتهم من القاعدة الشعبية، مثلهم مثل كثير من الحركات الأصولية اليوم في تمكين الناس الذين كانوا يشعرون أنهم مقيدون ومستغلون من توصيل آرائهم واسماع أصواتهم للنخبة ذات الامتيازات الكثيرة، أي أنها مكنت الناس من الإحساس بأهميتهم، إذ كانت هذه الحركات جميعا مثل الحركات الأصولية، ترجع بأبصارها إلى نظام بدائي، وتعقد العزم على إحياء الدين الأصلي، و كانت جميعها تعتمد في أيديولوجيتها على النصوص المقدسة وتفسرها تفسيرا حرفيا، و كانت تميل جميعا إلى الديكتاتورية.

تكشف لنا مثل هذه الحركات الاجتماعية عن أنواع الحلول التي يجدها الكثيرون جذابة عندما تتعرض مجتمعاتهم لهزات التحديث ومستجداته فيظهر أنبياء (صحوة) يقومون بثورة على عقلانية العلم ويصرون على التميز بهوية ذات طابع ديني تقليدي وينجزون بذلك صيغة فكرية محدثة في متناول أيدي الذين لم تتح لهم فرصة التعلم والوصول إلى منابع الثقافة الدينية والاجتماعية الأصيلة فعلا.

أعلنت الولايات بعد الثورة استقلالها عن الدين، وساد الاعتقاد بأنه من الأفضل إتاحة الدين في الكنائس والمدارس وجمعيات الإصلاح التي تكاثرت في الولايات الشمالية في عشرينيات القرن التاسع عشر، وبدأ المسيحيون البروتستانت حملة لبناء عالم أفضل من خلال مناهضة الرق ومعاقرة الخمر ورفع الظلم عن الجماعات المهمشة ونصرة قضايا المرأة. وكان تدفق المهاجرين الكاثوليك مصدر قلق للمهاجرين الأول الذين كانوا يمثلون 99% من السكان، ولكن بحلول أربعينيات القرن التاسع عشر كان عدد الكاثوليك يزيد عن 2.5 مليون وكان هذا التطور مصدر فزع لأمة طالما اعتبرت أن البابا هو المسيخ الدجال. مع ذلك فقد كانت حركات الإصلاح الإنجيلية المذكورة حركات تحديثية بتأكيدها على قيمة الإنسان مهما كان جنسه وعرقه ولونه خاصة في الولايات الشمالية التي انتشرت فيها موجة الحداثة كما لم تنتشر في الولايات الجنوبية، وانتهى الأمر بالمسيحيين الإنجيليين إلى أن أصبحوا العمود الفقري لحزب الأحرار الذي خلفه الحزب الجمهوري الحالي في حين كان خصومهم ومنهم المحافظين والكاثوليك يفضلون الحزب الديمقراطي. لقد حققت البروتستانتية نصرا باهرا لأميركا ومنحت الناس قوة الوقوف في وجه النظام العلماني للدولة، ولا نكاد نجد اليوم حركة شعبية في أميركا لا ترتبط بالدين بصورة ما.

كانت الصورة بالغة الاختلاف في أوروبا فكانت الإيديولوجيات الشائعة علمانية لا دينية، كما انصب اهتمام الناس على هذا العالم لا على العالم الآخر.

وفي ألمانيا رأى كارل ماركس أن الدين من أعراض المجتمع المريض، وأنه أفيون يعين الناس على تحمل الظلم والجور الاجتماعي ويمنعهم من الثورة ضد الأنظمة الجائرة ويوجههم للتفكير بعالم آخر خيالي سيحصلون فيه على ما حرموا منه في هذا العالم.

وبدأت آراء الملحدين تحظى بمكانة معنوية رفيعة بعد صدور كتاب أصل الأنواع عام 1859 الذي وضعه العالم الانكليزي (تشارلز داروين 1809-1882) والذي أحدث هزة غيرت من نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى موقعه في العالم، فقد بين داروين بأسلوب علمي يستند إلى البحث والتدقيق أن الإنسان بوضعه الحالي هو نتيجة سلسلة طويلة ومعقدة من التطور بدأت من الأحياء الدقيقة وحيدة الخلية التي وجدت في البدء على الأرض ثم تطورت إلى أشكال الحياة المعقدة الأخرى لتُتَوّج سلسلة التطور هذه بظهور الإنسان العاقل الذي نعرفه اليوم.

وبالرغم من أن داروين لم يتطرق في كتابه المذكور ولا في أبحاثه الأخرى إلى ما يوحي بخطأ نظرية الخلق بدءا بآدم التي جاءت في الكتب المقدسة فيما لو تمسكنا بحرفيتها، وبالرغم من احترامه للكنيسة والدين، فلم تلبث أن ثارت عليه الأوساط الدينية ثورة عارمة تذكرنا بثورة الكنيسة على كوبرنيكوس الذي بين أن الأرض لا يمكن أن تكون مركز العالم، أو غاليليو غاليلي الذي قال بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. وفي جميع الأحوال فقد أصبح الكتاب المذكور نقطة تحول تاريخية، فإذا كان كوبرنيكوس قد زحزح الإنسان عن مركز الكون، فإن داروين جاء ليبين أن الإنسان لا يزيد عن كونه حيوانا يقف على قمة سلسلة تطور الأحياء، واستنتج الملحدون من ذلك أنه لا يوجد مكان لإله في عملية الخلق، وأن الحياة تمضي بلا هدف أو غاية إلهية، (مع أن عملية تطور الأنواع بحد ذاتها عملية مصممة بدقة).

شرع العلماء الألمان منذ أواخر القرن الثامن عشر في تطبيق مناهج العلم الحديث على الكتاب المقدس، وقالوا إن الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس التي تنسب إلى موسى لم تكتب إلا بعد وفاته بزمن طويل وبأقلام مؤلفين شتى، وانه من المحتمل ألا يكون داوود عليه السلام هو الذي كتب المزامير، وان معظم المعجزات التي جاءت في الكتاب المقدس لا يقبلها العقل إذا أخذناها بحرفيتها، فلا يمكن أن تزيد عن كونها استعارات أو مجاز أدبي، وانه يكاد يكون من المؤكد أن الكثير من الأحداث الواردة في الكتاب المقدس غير تاريخية. فقصة الخلق في الكتاب المقدس ليست سردا تاريخيا لأصل الحياة، بل تأملات روحية للحياة نفسها التي يقع الإنسان الممثل بآدم فيها بين مطرقة الشر التي يمثلها الشيطان وسندان الخير الذي تمثله الحكمة والتسامي عن الشهوات والأهواء التي ترمز إليها تفاحة آدم والتي قد تستسهل المرأة الانزلاق نحوها كما كان دور حواء في القصة التوراتية.

لقد آذنت نظرية أصل الأنواع لداروين في حرب شعواء بدأها علمانيون من أمثال (توماس هكسلي 1825-1895) راحوا يشيعون النظرية بين الناس محاولين إثبات التناقض بين العلم والدين، مؤكدين أن العقل لابد أن يكون المعيار الوحيد للحقيقة.  وكان هكسلي يرى أن العقلانية العلمية دين جديد ويطلب من أتباعه اعتناقه والالتزام الكامل به، وكان يستند إلى تيار الثقافة الحديثة الذي أنجز من النتائج المبهرة ما جعله قادرا على الزعم بأنه وحده الحَكَم في حقيقة الأشياء. لكن هكسلي جهل أو تناسى في غمرة حماسه بأنه قد ضيق تعريف الحقيقة فأصبح يقتصر على ما تثبت صحته عن طريق العقل، وهو تعريف من شأنه، حتى لو نحينا الدين جانبا، استبعاد حقيقة الفن والموسيقى وحتى استبعاد الأخلاق المحافظة التي تربت لدى المجتمعات عبر ملايين السنين كالحفاظ على الأسرة وبر الوالدين والصدق والكرم وإغاثة الملهوف، فالعقل وحده لا يبرر كثيرا من مثل هذه النشاطات الإنسانية الإيجابية الفعالة.

لقد تناول العلماء والفلاسفة المحدثين الحقائق الدينية بمناهج البحث العلمي والتدقيق الصارم، مستبعدين الرموز والكنايات والاستعارات والتشابيه  والقصص والأمثلة التي لابد منها لتقريبها من فهم العامة، فليس الناس جميعهم علماء و فلاسفة، ولا عجب أن يعلن (فريدريك نيتشه 1844-1900) أن الإله قد مات وهو يقص في كتابه (العلم المَرِح) قصة رجل مجنون يجري في السوق ذات صباح وهو يصيح ... لقد قتلناه، أنتم وانا قتلنا الإله، نحن جميعا قتلة، و كان الذي يرمي إليه نيتشه هو أن الإحساس بالقداسة يذوي ويموت إذا فقد منطق الروح وأضحى بدون عقائد وطقوس وصلوات، أي أن أصحاب الحداثة حين حولوا الإله إلى حقيقة فكرية و عقلية خالصة وبذلوا جهدهم للتوصل إليه عن طريق العقل وحده، فإنهم قتلوا الإحساس به في أنفسهم. يقول مجنون نيتشه: إن موت الإله قد اقتلع الإنسانية من جذورها، وتسبب في انحراف الأرض عن مسارها، و جعلها تضرب على غير هدى في كون تسوده الفوضى فكل ما كان يحفظ للكون توازنه وللإنسانية هدفها قد اختفى، وكان يتساءل: أما زال هناك أعلى واسفل؟ ألسنا ضالين في شعاب التيه فلا نكاد نلتمس لنا طريقا إلى النجاة، وهكذا أصبح الرعب والإحساس بانعدام المعنى والفناء جزءا من تجربة الحداثة.

لم يقتصر تأثير الحداثة هذا على المسيحيين في الغرب بل امتد إلى اليهود والمسلمين في البلاد التي كانت آخذة بخطوات الحداثة وواجهوا الحيرة نفسها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما قاله أعلام علماء المسلمين عن كروية الأرض و شكل الكون

أمثولة الكهف؛ قصة الحقيقة و الوهم

ظلمات البحر اللُّجي