مكانة المرأة بين تعاليم القرآن وتحديات الحضارة الغربية
إن الغزو الثقافي الذي يتعرض له العالم العربي والإسلامي صوّر المرأة الغربية على أنها الأيقونة التي يجب أن تقتدي بها نساء العالم بالرغم من كل ما تعانيه المرأة في الغرب، ولو عدنا إلى صفحات التاريخ لوجدنا أنه لم تكن للمرأة مكانة ولا كرامة في كل المجتمعات التي سبقت الإسلام إلا نوادر هنا وهناك، ممن كنّ من عوالي القوم في نسبهنّ، أو ممن عُرفن بحكمتهن وشأنهنّ[1].
تبدأ قصة امتهان المرأة لدى الإغريق،
أي في مهد الحضارة الغربية، فهذا أرسطو الفيلسوف اليوناني في كتابه (السياسة) يلخص
الآراء السائدة عن المرأة في عصره بالقول: "إن المرأة بطبيعتها أدنى من
الرجل، وأنها يجب أن تكون خاضعة له. وقد اعتقد أرسطو أن النساء يمتلكن جزءًا من
الروح التداولية، ولكنهن يفتقرن إلى السلطة الطبيعية التي يمتلكها الرجال[2]. كما وصف
النساء بأنهن أكثر عاطفية وأقل عقلانية من الرجال، وأن دورهن الأساسي هو الإنجاب
ورعاية الأسرة."
وقد جاءت رواية التوراة بأن حواء
التي خُلقت من ضلع آدم قد قامت بارتكاب الخطيئة الأولى وهي أكل الفاكهة المحرمة
وأودت بذلك إلى سقوط الإنسان من الجنة، فمن المتوقع أن تتطور هذه القصة وتشدد على
الاعتقاد بأن النساء أقل شأنًا من الرجال، وأنهن أضعف أخلاقيًا ومن المحتمل أن
يقدن الرجال إلى الخطيئة. تجلت هذه النظرة في فن العصور الوسطى المرئي الذي غالبًا
ما يتم التأكيد فيه على دور النساء في هذه “الخطيئة الأصلية” من خلال المئات من
اللوحات التي تظهر بها حية برأس امرأة تغوي حواء بعصيان الله. بعكس القرآن الذي
ساوى بين آدم وحواء في المسؤولية عن ارتكاب المعصية الأولى، ولذلك خاطب الله أبا
البشرية آدم حين أخرجه مع زوجه من الجنة، مُعْلِما إياه أنه وحده الذي تقع عليه
مسؤولية التعب والشقاء، فقال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا
إبليس أبى 116 فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}
(طه: 116- 117).
وفي العصور الوسطى في أوروبا كانت حقوق المرأة القانونية محدودة. لم
يكن للنساء الحق في التصويت أو المشاركة في الحكم، وكانت حقوقهن في الملكية
والميراث مقيدة بشكل كبير.
في بعض الحالات، كانت النساء تُعتبرن
تحت وصاية أزواجهن أو أقاربهن الذكور، وكان التعليم متاحًا بشكل محدود للنساء، وغالبًا ما كان
مقتصرًا على الطبقات العليا أو النساء في الأديرة. بشكل عام، كانت حياة المرأة في
العصور الوسطى صعبة ومعقدة، ولكنها كانت تتمتع بقدر من المساواة مع الرجل في
الطبقات الدنيا، حيث كان الفقر مشتركًا بين الجنسين. ومع ذلك، كانت هناك فرص
محدودة للنساء للارتقاء الاجتماعي أو الحصول على التعليم والحقوق القانونية.[3]
مع انطلاق الثورة الصناعية والاستعاضة
عن القوة العضلية والتدخل الإنساني المباشر في الإنتاج بالآلة، أصبح دور المرأة في
الغرب أكثر فاعلية وأثرا في حركة المجتمعات سواء من الناحية الفكرية أو الاقتصادية،
والآن ومع الثورة المعلوماتية التي أصبحت تسيِّر العالم نجد أن الآفاق أصبحت أكثر انفتاحا
أمام مشاركة المرأة الفعالة في المجتمع، بالخلاصة فإن تطور وتقدم العلم سمح بتحديد
حصة أكبر للمرأة في قيادة الحركة الاقتصادية والفكرية للمجتمعات، وبقيت مع ذلك لا
تتمتع بالمواطنة الحقيقية في المجتمع الغربي.
وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية
أوزارها صدر الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان بتاريخ 10 ديسمبر (كانون الأول) 1948
معلنا المساواة التامّة بين كل الناس بالنص التالي:
“كلّ الناس يولدون أحرارا ومتساوين في
الكرامة والحقوق، كل الناس يتمتّعون بالعقل والوعي وملزمون بأن يتعاملوا بروح أخوية
الواحد إزاء الآخر”.
فهل انتزعت المرأة حق القيادة في
الغرب فعلا؟ وهل أحسنت المرأة القيام بدورها أثناء قيادتها؟ وما أثر ذلك على الحياة
الاجتماعية في تاريخنا المعاصر؟
إن الإحصائيات عن النسيج الاجتماعي الغربي
تؤكد أن أوضاع المرأة ليست بالصورة الزاهية التي يراها البعض من خلال العنف الجنسي
والضرب المبرّح واستغلال أنوثتها لجني الأرباح المالية في مجتمع يحكمه عمليا الذكور،
تعرض المرأة فيه بشكل يمتهن كرامتها.
تواجه المرأة في المجتمعات الغربية
تحديات متعددة تتعلق بالمساواة في الأجور، التمثيل السياسي، العنف القائم على
النوع الاجتماعي، والتحرش الجنسي. على الرغم من التقدم الكبير في بعض المجالات، لا
تزال هناك فجوات كبيرة تحتاج إلى معالجة.
إن الخطأ الذي وقعت وما زالت تقع فيه
معظم الحركات النسائية في العالم هو مناداتها بالمساواة المطلقة بين النساء والرجال
بغض النظر عن الخصائص المميزة لكل من الجنسين، الأمر الذي أدى إلى تعميق استغلال المرأة
مرة أخرى في الأزمنة الحديثة والمعاصرة، إذ أصبحت المرأة مطالبة أن تقوم بدور الأنثى
والذكر في الآن نفسه أو في أحسن الأحوال أن تفوض مسؤولياتها التقليدية التي اشتملت
عليها فطرتها منذ الولادة وبرعت فيها عبر العصور كرعاية الأطفال و شؤون المنزل إلى
الرجل، أي إلى شخص غير مناسب مما أدى إلى خلل كبير في المجتمعات الغربية نلاحظه في
تفكك الأسرة و كثرة حالات الطلاق وسوء الرعاية التي تعاني منها أجيال الناشئة وبالتالي
إلى ازدياد الجرائم وحالات الإدمان على المخدرات، هذه الجرائم طالت المرأة نفسها من خلال حالات الاغتصاب والعنف والاستغلال الجسدي
والمعنوي في مجتمع يقوده الرجال بحكم الفطرة.
لقد جاء الإسلام متمما لما سبقه من تشريع ومصححا له حيث لزم الأمر، نجد ذلك أبرز ما يكون في النصوص المتعلقة بالنساء؛ وبما أن وضع المرآة مرآة لتقدم المجتمع، فهي نصف المجتمع ومربية الأجيال التي تهز سرير طفلها بيد لتهز العالم باليد الأخرى، فلا بأس أن نستعرض موقف الإسلام من المرأة مقارنة بالشرائع الأخرى التي كانت سائدة في فجر الإسلام. لقد جاء الإسلام في القرن السابع بين جماعة عبرية يهودية تقر دونية المرأة عن الرجل، إلى تقاليد مسيحية وضعها القديس بولس عدو المرأة، نجد ذلك في كتب الديانتين المقدسة التي بين أيدينا. لنطلع على بعض الأمثلة:
- تقطع يد المرأة إذا حاولت الدفاع عن زوجها فلمست عورة خصمه:
"إذا تخاصم رجلان مع بعضهما رجل وأخوه وتقدمت امرأة أحدهما لكي تخلّص رجلها من يد ضاربه ومدّت يدها وأمسكت بعورته فاقطع يدها ولا تشفق عينك".
- تُرجم المتزوجة الزانية من غير إقامة الحجة عليها سوى شهادة الزوج:
جاء في سفر التثنية 22 :13 "إذا اتخذ رجل امرأة وحين دخل عليها أبغضها ونسب إليها أسباب كلام وأشاع عنها اسما رديا وقال هذه المرأة اتخذتها ولما دنوت منها لم أجد لها عذره. يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها. فتنزع الشر من وسطك". التثنية 22 :13 - 21
- ممنوع على المرأة وقبيح أن تتكلم أو تناقش داخل الكنيسة حتى للتعلم:
"لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُوناً لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضاً. وَلَكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئاً فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ." كورنثوس الأولى 14: 34-35
- تفضيل الرجل على المرأة وجعلها خادمة له:
(لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل. ولأن الرجل لم يُخلَق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل) كورنثوس الأولى 11: 8-9
"وَلَكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، وَآدَمُ لَمْ يُغْو لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي". تيموثاوس الأولى 2: 9-14
وغير ذلك كثير.
أما في جزيرة العرب مهبط رسالة الإسلام فقد سادت الأعراف القبلية التي تكرّس سيادة الرجل على المرأة كما تكرّس دونية الأخيرة؛ يصف القرآن الكريم ذلك في الآيات التالية: " وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59).
و كلمة البشرى بالأنثى هنا جاءت تهكما بوقع خبر ولادة الأنثى السيء على والدها الجاهلي، فاسود وجهه عارا ووقع في حيرة من أمره جعلته يتوارى عن أعين القوم في حيرة، بين أن يمسك هذا العار الذي لحقه من أبوته الجديدة لهذه (الأنثى) ويبقى مهانا بين قومه ومجتمعه نتيجة لذلك، وبين أن يغسل هذا العار من أصله بأن يدفن هذه المولودة حية في التراب (أو يئدها)، وهنا يأتي قوله تعالى محذرا منذرا لمن تسول له نفسه بأن يئد ابنته من خلال استعراض مشهد من مشاهد القيامة ترتجف له القلوب: " ... وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9) ... " التكوير
في هذه الظروف جاء الإسلام لينطلق في نظرته للمرأة من عالمية شمولية تضع الناس جميعا على صعيد سواء كأسنان المشط لا يميز بعضهم عن بعض سوى الصلاح والتقوى، وليجعل دور المرأة في المجتمع دورا أصيلا مكملا لدور الرجل، فهي نصف المجتمع الذي يلد النصف الآخر، ويقوم على تربيته ... الإسلام يقرر ابتداء وحدة الأصل للرجل والمرأة، لأنهما خُلقا من نفس واحدة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }(النساء: 1).
كما يقرر في وضوح أن النساء شقائق الرجال (أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة أن النبي (ص) قال:" إن النساء شقائق الرجال"، وأن المرأة مكلفة ومأمورة مثل الرجل، ولا تقل عنه في الحقوق والواجبات، وإنْ كان لكل منهما المجال الذي يتحرك فيه، مما يتناسب مع طبيعته النفسية والجسدية، ومع وظيفته الاجتماعية، فإنهما يتكاملان في الأدوار ولا يتناقضان في الأهداف والغايات، أما الاختلاف بينهما فيقع في الوسيلة التي يسلكها –أو ينبغي أن يسلكها- كل طرف منهما لأداء دوره المنوط به في تحقيق الاستخلاف وعمارة الأرض.
وقد جاءت النصوص في ذلك متواترة ومتضافرة، تقطع كلَّ شك، وتزيل كلَّ سوء تفسير وتأويل، ويكفي للدلالة على هذا قول الله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَو انْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}(آل عمران: 195)، وقوله سبحانه أيضا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }(التوبة: 71).
وان المرأة آية من آيات الله خلقها من نفس الرجل لتقوم بينهما العلاقة المقدسة على المودة والرحمة، ولتستمر بفضل هذه العلاقة الأجيال:
"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" الروم-21
بعد أن كانت المرأة (وما تزال أحيانا) سلعة تباع وتشرى، فقد أصبح لها في الإسلام شخصية لها تقديرها، لقد سميت سورة باسمها وهي سورة "النساء"، وفيها ما يخص المرأة في الزواج، والإرث، والطلاق، وكيف يرعى الإسلام حقوق المرأة، التي هي شريكة للرجل في رحلة كفاحه، وبالإضافة إلى التكريم "المعنوي" الذي قرره الإسلام للمرأة، وأعاد به إليها شخصيتها المُلغاة، فإنه كرَّمها أيضا "ماديا"، فاعترف لها بذمتها المالية المستقلة، وأكدَّ حقها في التملك، وممارسة البيع والشراء وسائر العقود المالية، بالرغم من أنه أوجب على الرجل (أبا كان أم أخا أم زوجا أم ابنا) نفقتها في جميع حالاتها، سواء أكانت أما أم أختا أم زوجة أم ابنة، يؤكد المفكر الفرنسي (رجاء جارودي) تميزَ الإسلام في إعطاء المرأة حقوقها المالية، مقارنة بالغرب، فيقول: "إن القرآن منح المرأة حق امتلاك الأموال دون قيد أو شرط، بينما لم تنل هذا الحق في أغلب تشريعات الغرب إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين"، ولما سُئل الكولونيل (دونالدز روكويل) عما أعجبه في الإسلام ذكر أسبابا عدة، منها: "الإقرار الرائد بتقرير حق الملكية للمرأة".
لقد أناط الإسلام بالرجل عمارة الأرض، بما تتطلب من كدح وتعب ونصب، مراعيا خِلْقَةُ الرجل: من قوة البدن، والقدرة على تحمّل المشاق، وغلبة العقل على العاطفة، ولذلك خاطب الله أبا البشرية آدم حين أخرجه مع زوجه من الجنة، مُعْلِما إياه أنه وحده الذي تقع عليه مسؤولية التعب والشقاء، فقال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى 116 فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} (طه: 116- 117).
كما أن الشرع ساوى المرأة بالرجل في
الحقوق المدنية فهي تبيع وتشتري وتتملك وتتصرف في أموالها كما شاءت لا يحدّها إلا
ما يحدّ الرجال. كما أنّ للمرأة الحق في الميراث والشهادة.
لقد ضمن الإسلام للمرأة حقوقها، وطلب
منها واجباتها بما يلائم طبيعتها وفطرتها (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ
بِالْمَعْرُوفِ)، ولم يكلفها ما لا طاقة لها به، ولم يفضّل الرجال عليهن بتشريف بل
بتكليف رعايتهن وحمايتهن، وفي ذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنما النساء
شقائق الرجال”.
كما أن الشرع ساوى المرأة بالرجل في
الحقوق المدنية فهي تبيع وتشتري وتتملك وتتصرف في أموالها كما شاءت لا يحدّها إلا
ما يحدّ الرجال. كما أنّ للمرأة الحق في الميراث والشهادة.
هنا لا بد من التفريق بين الإسلام، وبين
واقع المسلمين كسلوك بشري يتأثر بالمصالح والأهواء قد يقترب أو يبتعد قليلا أو كثيرا
عن المبادئ والقيم التي يدعو إليها الإسلام، وبالتالي لا بد من التمييز بين المبادئ
والمقاصد العامة للإسلام وبين الواقع الراهن المعيب للمسلمين، والتأكيد على أن واقع
المرأة البائس في العالمين العربي والإسلامي، هو أمر لا علاقة له بالإسلام وتعاليمه
وحقائقه وإنما يرجع هذا الواقع المتردي إلى الفهم المغلوط، وإلى التطبيق الخاطئ لشريعة
الإسلام ومقاصده ...
إنّ أسلمة المجتمع التي تزحف اليوم على
شعوب البلاد العربية بعد ثورات دموية، تجد في الانتصار على المرأة بإعادتها إلى القمقم
الرعوي الحزين، إحدى مقوّماتها الجوهرية، لكن علينا أن ننبّه إلى خطورة الانفصام الثقافي
الذي يصيب الإسلامويين اليوم الذين يريدون الجمع بين المرأة "الحرمة" والمرأة
"المواطنة".
ثم إن تقدم وضع المرأة أو تراجعه إنما
يرتبط ارتباطا وثيقا برقي المجتمع كله أو بتخلفه، إذ من غير المعقول أن تتقدم القوانين
والشرائع الخاصة بالنساء فقط دون تقدم المجتمع بجميع فئاته، لأن المجتمع في المحصلة
هو نسيج واحد تنتظم فيه جميع الفئات، وتسير في خطوط متوازية، يأخذ بعضها بأيدي بعض،
أما حقوق المرأة المدنيَّة في العلم والانتخاب والعمل، فالقرآن يفتح لها أبواب المساواة،
التي تنالها كلما تقدمت الأمم الإسلامية في عاداتها ومعاملاتها، فلا يجوز أن يكون الإسلام مسؤولا عن واقع المرأة المسلمة
في غياب تعاليم الإسلام الصحيحة.
إن الفهم الصحيح للمبادئ والأصول والمقاصد
العامة للشريعة لا بد منه للرقي بالمجتمع الإسلامي، وقد اصدر مجمع البحوث الإسلامية
بيانا بعنوان: (زواج ملك اليمين عودة إلى الجاهلية: انظر الأهرام، 6 يوليو –تموز-
2012 السنة 136 العدد 45868) حول ما أثير في وسائل الإعلام بشأن زواج ملك اليمين مؤكدا
أنه حالة من أحوال النكاح خاصة بنظام الرق والعبودية التي كانت منتشرة في العالم مع
بداية الإسلام، وقضى عليها الإسلام بالتدريج، بل عمل الإسلام على التخلص من كل صورها
والتي تشكل إحدى صور الاستعباد، وذلك من خلال فرض عتق رقبة في كل الكفارات، وكذلك صدرت
القوانين الدولية والمواثيق بتحريم الاسترقاق وتقييد حرية الإنسان؛ فانتهي بهذا ملك
اليمين بلا رجعة، فالحديث عنه في هذه الأيام هو ردة وعودة إلي عصر الجاهلية، ودعوة
إلى العلاقات الجنسية الآثمة والمحرمة، ولا يسمي زواجا على الإطلاق، لفقده الأركان
والشروط الواجبة في الزواج.
قس على ذلك أن عصر تعدد الزوجات قد شارف
على نهايته أو كاد بتأثير التقدم العلمي والاقتصادي والاجتماعي، حتى أن بعض الدول الإسلامية
قد أصبحت تمنعه بحكم القانون (مثل تركيا وتونس ...)، علما بأن الإسلام قد حدد عدد الزوجات
أصلا بواحدة في إشارة واضحة إلى ذلك عندما جعل العدل أساسا لإباحة التعدد الذي كان
سائدا مع ظهور الإسلام، وبيّن أن العدل بين النساء غير ممكن حتى ولو حرص الزوج على
ذلك:
"فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً
أَو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا" النساء-3.
"وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا
بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَو حرَصْتُمْ" النساء/129.
لقد أصبح تحديث الخطاب الديني الإسلامي
حتميا ليس بما يخص النساء فقط، فهن جزء من حركة التاريخ والمجتمع وحسب، بل في جميع
مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، و على المسلمين أن يعيشوا العصر ويتفاعلوا
بإيجابية معه مستلهمين روح رسالته في أنه رحمة للعالمين، بدلا من العيش على رماد الأجداد
وأطلال الماضي، إذ لا يوجد ما يبرر التمييز العنصري إزاء المرأة السائد اليوم في
أكثر من بلد مسلم، هذا التمييز ناجم عن التخلف الاجتماعي الذي وصلت إليه هذه
المجتمعات نتيجة الفقر والجهل والمرض وليس عن الإسلام، ففي الإسلام و في زمن النبي
والخلفاء الراشدين من بعده تحديدا لم تكن النساء محرومات من أي نشاط اجتماعي، مع
أن تقسيم العمل والواجبات كان يراعى، و كانت عائشة زوجة الرسول تعلّم علوم الدين،
ولم يتذمر عمر حين قاطعته امرأة وهو يلقي موعظة و صححت له ما يقول، بل اعترف بخطئه
على العلن قائلا: "أصابت امرأة واخطأ عمر". لقد بين القرآن الكريم في
أكثر من موضع أن التقوى هي أساس الصلاح عند الله سواء أكان المتقي رجلا أم امرأة،
مؤكدا وحدتهما الوجودية مستهلا سورة النساء بالتأكيد على هذه الوحدة: "يا
أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة"، معلنا بذلك أن الرجل
والمرأة كائن واحد منقسم إلى اثنين متساويين في الكرامة ومختلفين في الوظائف
البيولوجية والمجتمعية فقط.
تعليقات
إرسال تعليق