أسرار السماء.

ماذا لو تخيلنا أن كل ما في الكون من نجوم و كواكب و أقمار، بل وكل ما فيه من مادة و طاقة مظلمة و غبار كوني، قد اختفى، و لم يبق سوى الفضاء، فهل هذا الفضاء فضاء حقاً؟
لنتفق أولا على أبسط تعريف للفضاء: الفضاء هو الفقاعة الكبرى التي تتسع لكل ما في الكون من الذرات إلى المجرات، أي كل مايحيط بنا و يعلونا، أو هو السماء التي تحيط بكل شيء من كل جانب.  إنها المسرح الذي تجري فيه جميع أحداث العالم. هذه السماء هي المقصودة في بحثنا التالي:

لقد تخيل العالِم اسحاق نيوتن الفضاء كمسرح أبدي ثابت، تجري على خشبته جميع الأحداث الكونية، دون أن تؤثر فيه أو يؤثر فيها، و وضع مبادئه الشهيرة في الحركة و التحريك وفقا لذلك، و فعلا فقد استطاعت قوانين نيوتن لمدة مئتي عام تفسير كثير من الظواهر، بدءاً من حركة الأجسام تحت تأثير الجاذبية الأرضية إلى حركة النجوم و الكواكب، لكن و في مطلع القرن العشرين جاء العالم البارز ألبرت آينشتاين ليقلب مفاهيم نيوتن رأسا على عقب، و ليثبت أن الفضاء ليس مرجعا مطلقا ساكنا، بل هو نسيج قابل للامتطاط  والانحناء و الثني بفعل كتل الأجسام السماوية الضخمة التي تسبح فيه.
إذا و مع آينشاين لم يعد الزمان (الذي يشير إلى الحركة) و لا المكان (الذي يمثل الرسم الهندسي لهذه الحركة) جامدين و مطلقين، بل يختلطان معا بحيث يتمدد أحدهما أو يتقلص على حساب الآخر،  إن اختلاط الزمان بالمكان بفعل الحركة يشكل كيانا واحدا أُطلق عليه لاحقا اسم (الفضاء الديناميكي أو الحركي أو الزمكان-Space time). لقد اختلف مفهوم الجاذبية بين نيوتن و آينشتاين تبعا لذلك،  فمع آينشتاين لم يعد الفضاء حقيقيا فقط بل أصبح مرنا، كصفيحة مطاطية تتلوى بتأثير القوى الخارجية المؤثرة فيها، و أصبح ما أسماه نيوتن يوما ب "قوة الجاذبية" عبارة عن انحناء في الزمكان تنشغل الأجسام السماوية بحياكته في الفضاء المحيط بها باستمرار  لتؤمن مدارات حولها  تسبح فيه أجسام سماوية أخرى أقل كتلة منها.
يقترح العالم الفيزيائي (جون ويلر) أن تكون السماء مبنيةً من لبنات أولية، أطلق عليها اسم (جيونات – GEONS)[1]، هذه اللبنات تشكل بمجملها حقل الجاذبية الذي يجعل الفضاء أو السماء نسيجا محكما متجانسا دون فطور أو تصدعات أو تفاوت في البنية. فيمكن وصف السماء بأنها نسيج (حُبُك) لا تفاوت أو فطور في نسجه، و هذه صفتها الأولى.[2].
تدلنا النظرية النسبية كما رأينا أن المادة، عبارة عن طاقة هائلة مركزة في كتلة معينة، وهذا ما يشجع على التفكير بالجيونات على أنها جسيمات مادية، لعلها أشبه ما تكون بالفوتونات (PHOTONS)، وهي الجسيمات الأولية التي يتكون منها الضوء. هذه الفوتونات تتمتع بصفات كل من المادة والطاقة معاً، فالضوء شكل من أشكال الطاقة، لكنه يتمتع بصفات المادة أيضاً، إذ ينحرف عن مساره عندما يتعرض لحقل جاذبية قوي، كما بينت لنا تجربة (أدينغتون) التي استعرضناها في مقال سابق.
أما مشكلة الجيونات فهي أنها غير مرئية، بعكس الفوتونات، لذلك فإن وجودها يثير الجدل. هذا النسيج الفضائي الديناميكي محكم الحبك الذي تسميه الأدبيات العلمية (الفضاء الديناميكي أو الحركي أو الزمكان-Space time)، هو الحد الفاصل بين الكون وما وراءه.
بسبب مرونة الفضاء هذه فقد تنبأت النظرية النسبية العامة منذ أكثرمن قرن بأن الأحداث العنيفة التي تجري في الفضاء لابد وأن ينتقل أثرها إلى أبعد المسافات الكونية الممكنة، كما لو أنك رميت حجرا في بحيرة ماؤها ساكن، فستلاحظ انتشار أمواج على سطح الماء تتخامد كلما ابتعدنا عن نقطة سقوط الحجر، وقد أسمت النظرية النسبية العامة هذه الأمواج  بأمواج الجاذبية (Gravitational Waves). تنتج هذه الأمواج عن أحداث كونية بالغة العنف، مثل (تكوّر) النجوم العملاقة على نفسها و تحولها إلى نجوم نيوترونية أو اصطدام ثقبين أسودين أو نجمين نيوترونيين. يُقال في اللغة العربية لما تراه في الماء والرمل إذا أصابته الريح (حُبُك) و الحُبُك تَكسُّر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء الساكن إذا مرت به الريح، فيمكن القول قياسا على ذلك أن أمواج الجاذبية هي إحدى خاصيات السماء و أن السماء (ذات حُبُك) أيضا و هي صفتها الثانية[2].

لم تكن أمواج الجاذبية الكونية قبل مئة عام سوى نبوءة من نبوءات النظرية النسبية العامة لآينشتاين، لكن وفي 14 سبتمبر (أيلول) من عام 2015 التقط مرصدان في الولايات المتحدة يبعدان عن بعضهما مسافة 3000 كم (أحدهما في ولاية واشنطن و الآخر في ولاية بنسلفانيا) بشكل متواقت أمواجا الكترومغناطيسية بالغة العنف ناتجة عن ارتطام ثقبين أسودين يبعدان مسافة  1.3مليار سنة ضوئية* عن الأرض، فاستحق فريق العمل المشرف على التجربة جائزة نوبل للسلام التي نالها في عام 2017، و تحققت بهذا الاكتشاف نبوءة جديدة من نبوءات النظرية النسبية العامة، ثم رُصدت بعد ذلك ثلاث حوادث مماثلة أخرى بدقة كبيرة كان آخرها في أوغست (آب من العام الحالي 2017).[4].

 رسم تخيلي لانجذاب الثقبين الأسودين إلى بعضهما قبل أن يرتطما، و أمواج الحُبُك الصادرة عن هذه الظاهرة



يعتبر العلماء هذا الاكتشاف من أهم الاكتشافات التي سجلها تاريخ العلوم، بل يعتبره البعض مساويا في الأهمية لاكتشاف التلسكوب و توجيهه إلى السماء أول مرة. تكمن أهمية هذا الاكتشاف في إمكانية رصد و دراسة مثل هذه الأحداث بالغة العنف التي تجري في أعماق الكون و لايطالها الرصد الضوئي و لا الراديوي، هذه الدراسات ستغني علوم الفضاء بالمعرفة حول طبيعة النجوم النيوترونية و الثقوب السوداء و أصل الكون و موقعنا فيه. 

تسجيل أمواج الحُبُك الناتجة عن اصطدام الثقبين الأسودين في مرصدين توأمين في الولايات المتحدة (سبتمبر 2015)


من يتأمل السماء في ليلة صافية الأديم مستعينا و لو بمنظار فلكي بسيط، يجدها رُصّعت بمئات الألوف من نجوم و مجرات تلتمع ألوانها بين أحمر و أزرق و أصفر و برتقالي و لازوردي و كأنها ثوب عروس زيّن بأغلى الجواهر و أكثرها ندرة. فمن صفات السماء أيضا أنها ذات زينة و هي صفتها الثالثة.


صورة السماء من خلال تلسكوب ضوئي

قد تكون كل نقطة من هذه النقاط اللامعة في الصورة أعلاه مجرة تحوي مئة مليار نجم أو أكثر. لقد كان الاعتقاد السائد قديما أن هذه المجرات أو الجزر الكونية تتبعثر ، عشوائياً في الفضاء، وليس هناك أي نظام يربط بينها، ولكن و في دراسة  كان الهدف منها معرفة شكل الكون، قام علماء من الولايات المتحدة الأمريكية ومن كندا ومن ألمانيا مؤخرا بأضخم عملية حاسوبية شهدها التاريخ ، و تطلبت تصميم كمبيوتر عملاق أو سوبر كمبيوتر.



السوبر كمبيوتر هو جهاز كمبيوتر عملاق يزن أكثر من مائة ألف كيلو غرام و يحتاج إلى مبنى ضخم وتكاليف باهظة. سرعة هذا الجهاز في معالجة المعلومات في ثانية واحدة يساوي ما تنجزه الحاسبات الرقمية العادية في عشر مليون سنة.


أدخل العلماء عدداَ ضخماً من البيانات إلى السوبر كمبيوتر، فأدخلوا بياناتٍ حول أكثر من عشرة آلاف مليون مجرة وبيانات حول الدخان الكوني وبيانات حول المادة المظلمة في الكون. عمل هذا الكمبيوتر العملاق بالرغم من سرعته الفائقة شهراً كاملاً في معالجة هذه البيانات وكانت الصورة التي رسمها للكون تشبه تماماً نسيج العنكبوت:[3]


مقطع مكعّب من النسيج الكوني طول ضلعه 700 ألف بارسك، علما بأن كل بارسك يساوي 3.26 سنة ضوئية، النقاط اللامعة المشار إليها في الصورة هي عناقيد أو بروج بعض المجرات.

من يتأمل هذه الصورة وما فيها من نسيج محكم يلاحظ على الفور أن المجرات لا تتوضع عشوائياً إنما تصطف على خيوط طويلة ودقيقة قد يبلغ طول الخيط الواحد منها مئات الملايين من السنوات الضوئية. لقد أطلق العلماء اسم (النسيج الكوني-Cosmic Web) على شبكة المجرات هذه. ما يلفت النظر حقا أن المرجعيات العلمية تستعمل كلمة  (Weave)  باللغة الإنكليزية لوصف طريقة ارتباط المجرات في هذه الشبكة وهي تعني بالضبط (حُبُك) في اللغة العربية.

شبكة الحُبك الكونية و قد ظهرت عليها عُقَدٌ صفراء هي البروج التي يتكون كل برج منها من مئات المجرات

تلتقي خيوط الحُبُك في عقد أشير إليها بخطين أبيضين في الرسم ثلاثي الأبعاد أعلاه و ظهرت باللون الأصفر في الرسم الذي يليه، هذه العقد هي تجمع لمئات المجرات أو ما يسمى (Galaxy clusters-عناقيد المجرات)، لاننسى أن كل مجرة تحوي حوالي مئة مليار نجم، فعناقيد المجرات هذه تَجَمّعٌ هائل لمليارات المليارات من النجوم، قد يكون بعضها أكبر أو أصغر من الشمس التي لا تعدو أن تكون نجماً متوسط الحجم. عناقيد المجرات تتماسك كمنظومة واحدة مع بعضها بتأثير من المادة المظلمة التي تلتصق بها [5]، فتبدو كل واحدة من هذه العناقيد و كأنها برج مشيّد من لبنات هي المجرات، مما يؤدي إلى الصفة الخامسة من صفات السماء، في أنها ذات بروج!.
 نظرا للكتلة الهائلة التي تتمتع بها بروج السماء، نجد المجرات على خيوط الحُبُك تتجه في حركة دؤوب نحو البروج، فإما أن ترتطم بمجرات أخرى أو أن تنضم إلى مجرات البرج و تصبح جزءا منه[6]، و كأن خيوط الحُبُك طرق سريعة تؤدي إلى عقدة مواصلات هي البروج، فالسماء إذا ذات طرائق بمعنيين أحدهما طرائق خيوط النسيج الكوني العنكبوتي التي تنتقل عليها المجرات إلى البروج، و الآخر هو الطرائق أو المدارات التي تنشغل الأجسام السماوية بحياكتها في السماء حولها لتصنع مدارات تدور فيها أجسام أخرى ذات كتل أقل، فالسماء ذات طرائق و هذا ماينطبق على كلمة حُبُك أيضا و هي الصفة السادسة للسماء، وهكذا نجد أن كلمة حُبُك تشمل معظم صفات السماء كما يعرفها العلم اليوم. فسبحان الله. 
------------------------------------------------------------------
المراجع:
 [1]. في أدبيات ميكانيك الحقل الكمومي تُسمى اللبنة الأولى من بنية السماء: (غرافيتون-Graviton)
 [2]. القرطبي: في «الْحُبُكِ» أقوال سبعة: الأول: ذات الخَلق الحسن المستوي. قال: ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه؛ يقال منه حَبَك الثوبَ يَحبِكُه بالكسر حَبْكاً أي أجاد نسجه، و كل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد ٱحتبكته. والثاني ـ ذات الزينة؛ ذات النجوم وهو الثالث. الرابع: ذات الطرائق؛ يقال لما تراه في الماء والرمل إذا أصابته الريح حُبُك، و الحُبُك تَكسُّر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء القائم إذا مرت به الريح، ودرع الحديد لها حُبُك، والشعرة الجَعْدة تكسّرها حُبُك.
[3]. عبد الدايم الكحيل، الإعجاز في الكون - الحبك: صور تسبح الله
[4]. Loren Grush@lorengrush,  Sep 27, 2017, 12:30pm EDT, THE VERGE: A fourth gravitational wave has been detected — and we've pinpointed its location better than ever before
[5]. Camille M. Carlisle, Sky and Telescopes, Dark Matter Makes Galaxy Clusters Clump | February 8, 2016
[6]. Tamara Davis, If galaxies are all moving apart, how can they collide? SCIENTIFIC AMERICAN
 *. السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء عبر الفراغ  في السنة (365.25) يوم، و تساوي 9,460,730,472,580.8  كيلومتر. بوابة الفيزياء

الكلمات المفتاحية:

Geons, Gravitational Waves, Cosmic Web, Galaxy clusters


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما قاله أعلام علماء المسلمين عن كروية الأرض و شكل الكون

معجزة الشمس

أمثولة الكهف؛ قصة الحقيقة و الوهم